انتفاضات هنا وهناك.. مرحبا بكم في التمرد العالمي ضد الليبرالية الجديدة

على الرغم من أنها قد تبدو في ظاهرها متباينة، فإن الانتفاضات التي تشهدها حاليا بوليفيا ولبنان وبلدان أخرى كثيرة حول العالم، تجمع بينها نقاط مشتركة.

يرى الكاتب، بن إرينريك، في التقرير الذي نشرته مجلة "ذي نايشن" الأسبوعية الأميركية، أن العالم بات منقسما إلى أشخاص يجلسون داخل المنزل فوق أريكة مريحة، ينعمون بالدفء ومشاهدة التلفاز، بينما يقبع في الخارج آخرون يطرقون الباب بقوة، ويرغبون في الدخول، لأنهم يعانون من البرد القارس.

وعلى الرغم من أن طَرق الموجودين في الخارج يتزايد قوة وكثافة، فإن الجالسين في الداخل يكذبون ما ترامى على مسامعهم، معتبرين أنه مجرد صوت الريح في الخارج، ولا يفهمون كيف أن هذا العدد الكبير من الناس يمكن أن يطرق الباب في وقت واحد.

وأوضح الكاتب أن أصوات الطرق باتت حاليا أعلى، حيث إن الأسبوع الماضي شهد تعالي هذه الأصوات في مدن كولومبيا، حيث قرر الجيش إعلان حظر التجول في الشوارع. وجرت الأحداث نفسها في إيران التي شهدت تطورا سريعا لنسق الاحتجاجات، حتى شمل أكثر من مئة مدينة، ما دفع الحكومة إلى حجب خدمة الإنترنت عن المتظاهرين منذ اليوم الثاني للاحتجاجات.

وقال الكاتب إن المظاهرات الشعبية شملت خلال الفترة الماضية الجزائر وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا والإكوادور ومصر وفرنسا وألمانيا وغينيا، وكذلك هايتي وهندوراس وهونغ كونغ والهند وإندونيسيا وإيران والعراق، فضلا عن لبنان وهولندا وإسبانيا والسودان وبريطانيا وزيمبابوي.

كسر الجمود
ويرى الكاتب أن بعض هذه التحركات كانت مجرد كسر للجمود، من خلال الخروج للشارع وتعطيل حركة السير لمدة يوم، فيما تبدو بعض التحركات في بلدان أخرى مثل ثورة حقيقية، حجمها كاف لإسقاط حكومات وتغيير بلدان بأكملها. ولسائل أن يسأل، ما السبب الذي يجعل المظاهرات خلال الاثني عشر أسبوعا الأخيرة تمتد إلى القارات الخمس، وتشمل مدنا ثرية مثل لندن وهونغ كونغ، وأخرى فقيرة مثل الخرطوم؟ وعلى الرغم من أن هذه التحركات، تبدو متباعدة جغرافيا، ومختلفة في ظاهرها وفي تركيبة المشاركين فيها، فإنه يمكن النظر إليها على أنها ظاهرة موحدة.

وأشار الكاتب إلى أن أسباب هذه المظاهرات متنوعة، حيث إن شرارتها في إيران انطلقت بعد رفع أسعار الوقود. وفي الدول الأوروبية، أغلق الفلاحون الطرقات احتجاجا على إجراءات حكومية لحماية البيئة. وفي هونغ كونغ، خرج الناس للشوارع للاعتراض على مقترح قانون يسمح بترحيل المطلوبين إلى الصين. وفي تشيلي، يحتج الناس على رفع تعريفة النقل. أما في لبنان، فاندلعت الاحتجاجات بسبب الرسوم الجديدة التي فُرضت على الوقود ومكالمات الواتساب.

وعلى الرغم أن بعض هذه التحركات نظمتها نقابات أو أحزاب معارضة، فإنها تبدو في أغلبها أفقية ودون أية زعامة. كما أنها لا تحركها أي أيديولوجيا واضحة، أو حزب يسعى للركوب عليها. ويبدو أن التقسيم الحزبي بين اليمين واليسار، الذي لطالما اتسمت به الأنظمة السياسية في القرن الماضي، لم يعد صالحا.

انحسار
وأفاد الكاتب بأن الحكومات اليمينية -إلى جانب الولايات المتحدة- هللت للتطلعات الديمقراطية للمتظاهرين في هونغ كونغ وإيران وبوليفيا، فيما تجاهلت التحركات الشعبية في بلدان أخرى. أما التيارات اليسارية، فنددت بما اعتبرته التدخل الإمبريالي في هونغ كونغ وإيران، معتبرة أن التحركات القائمة في بقية أنحاء العالم مشروعة.

وأكد الكاتب أن هذه التحركات التي تشهدها العديد من البلدان في العالم، تعود إلى الهوة الحاصلة بين نظرة النخب للأمور، والواقع الذي تعيشه الجماهير، إذ إن كل البلدان التي شهدت أخيرا احتجاجات شعبية، ظلت لعقود طويلة يحكمها نموذج اقتصادي واحد، يتم فيه الاحتفاء بالنمو الاقتصادي، الذي تستفيد منه الأقلية على حساب الأغلبية، ويتم تكديس الأرباح ورؤوس الأموال وتخزينها في البنوك الأميركية والأوروبية، فيما تغرق الفئات الشعبية في القمامة.

وذكر الكاتب أن صندوق النقد الدولي عاد في السنوات الأخيرة لفرض الحلول الاقتصادية القديمة والمتصلبة نفسها، التي تلحق ضررا كبيرا بالشعوب. والمشكل أن النخب الحاكمة في العديد من البلدان لا تتردد في الموافقة على سياسات هذا الصندوق.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الإكوادوري لينين مورينو، وقع في مارس/آذار الماضي على قرض من البنك الدولي بقيمة 4.2 مليارات دولار، ثم أعلن في أكتوبر/تشرين الأول، كما هو متفق عليه، تخفيضا في أجور القطاع العام والدعم على الوقود، وهو ما أدى لارتفاع في الأسعار ودفع بالفئات الهشة نحو الشوارع.

وفي لبنان، أعلن رئيس الوزراء سعد الحريري عن حزمة جديدة من الضرائب على الاستهلاك، شملت الوقود والتبغ والمكالمات الهاتفية، في إطار إجراءات لخفض العجز في الموازنة، وهو شرط وضعه الدائنون الأجانب لتقديم قرض جديد بقيمة 11 مليار دولار. وبعد 12 يوما من الاحتجاجات التي شارك فيها ما يصل إلى ربع الشعب اللبناني، اضطر الحريري إلى تقديم الاستقالة. في المقابل، لا تزال التحركات الشعبية متواصلة.

الشعوب تتكلم
ونبّه الكاتب إلى أن الشعوب عندما تخرج للشوارع للمطالبة باستعادة كرامتها، فسيكون من الصعب العودة للاستكانة والخضوع، إذ إن مطالب المحتجين في كل البلدان تقريبا تطورت في أيام الاحتجاجات، لتتجاوز الأسباب الرئيسية التي أطلقت الشرارة.

فعلى سبيل المثال، بات المحتجون في لبنان في الوقت الراهن يشعرون بأن تحركاتهم يمكن أن ترقى إلى ثورة حقيقية. وفي السودان، بدأت الانتفاضة عندما قطعت حكومة عمر البشير الدعم عن الوقود والخبز (باقتراح من الدائنين الدوليين)، وأدت إلى وضع حد لنظام حكم استمر ثلاثين عاما.

وقال الكاتب إن البنك الدولي دائما ما يربط منح القروض برفع الدعم عن قطاع الطاقة، وزيادة الضرائب على المحروقات، من أجل تحصيل الأموال اللازمة لسداد القروض، ودائما ما تثقل هذه الطريقة كاهل الفقراء، ويستفيد منها رجال الأعمال الذين جمعوا ثرواتهم من فساد الأنظمة الحاكمة. وفي الجانب الآخر، تشهد الدول الأوروبية الثرية احتجاجات مرتبطة بتغير المناخ، إما لاعتبار أن الحكومات لا تقوم بما هو كاف لمجابهة هذه الظاهرة، مثلما يحدث في بريطانيا، أو لاعتبار أن الإجراءات المتخذة غير عادلة ولا توزع الأعباء بشكل متساو، كما هي الحال في هولندا وألمانيا.

دروس
ويرى الكاتب أنه في كلا الجانبين من العالم، تبدو الدروس المستفادة واضحة للغاية، فأولا، بات واضحا أن أية محاولة للتعامل مع أزمة تغير المناخ، لا تأخذ في الحسبان الاحتياجات الأساسية للأغلبية الساحقة من سكان الأرض، سيكون مصيرها الفشل. وثانيا، لا تتضمن هذه الاحتياجات الأساسية لأغلبية سكان الأرض، الغذاء والرعاية الصحية والسكن فقط، وإنما أيضا الكرامة وأشكال التضامن التي يسعى النظام العالمي حاليا لتدميرها.

وفي ظل هذا الوضع، فمن غير المستغرب أن يشهد العالم انتفاضات متزامنة تتصدر عناوين الأخبار. وكتبت الروائية اللبنانية دومينيك آده -في مقال لها حول الانتفاضة في لبنان مطلع الشهر الجاري- "يبدو الأمر كما لو أن مئات الآلاف من الأفراد اكتشفوا فجأة في وقت واحد، بعد فترة طويلة من السبات، أنهم ليسوا بمفردهم، وأن الشيء نفسه يحدث في مختلف أنحاء العالم بشكل متزامن".

المصدر : الجزيرة