شاحنة تحارب التصحر الثقافي.. سفير للإبداع في أرياف الحدود التونسية

محمد علي لطيفي- - الشاحنة الثقافية هدفها اشباع الجوع الثقافي في مدينة الحدوديةماجل بلعباس.
الشاحنة الثقافية مبادرة لخدمة التجمعات السكنية البعيدة عن المدن (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس

ممسكا بمصدح بين يديه الصغيرتين، يقف بلال العلوي الذي تجاوز العقد الثالث من عمره، أمام عتبة مسرح البرج الأثري، في مدينة ماجل بلعباس، أحد مراكز الحكم التابعة لمحافظة القصرين (وسط غرب تونس) وهو يستعد ليجدد رحلته نحو "أرياف الملح" كما يحلو له تسميتها، في إشارة إلى قسوة مناخها من أجل أن يرسم البسمة على شفاه آلاف الشباب.

بلال يضع في كل رحلة آلاته الموسيقية، وعديد الكتب، وخيمات ملونة، بالصندوق الخلفي لشاحنته القديمة، ليجوب بها أرياف مدينته المنسية، غير مبال بالصعوبات التي قد تواجهه، إذ كثيرا ما تتعطل سيارته في رحلتها، ليغير عجلاتها المطاطية، ويستأنف رحلته كل مرة، وهمه أن يفتح فضاء ثقافيا، ويشبع جوع أطفال هذه الأرياف المتعطشة للفعل الثقافي.

‪رسالة قوية بأن الابداع لا حدود له‬ (الجزيرة)
‪رسالة قوية بأن الابداع لا حدود له‬ (الجزيرة)

الثقافة للجميع
يبدأ العلوي بتركيز خيامه الملونة في التجمعات السكنية البعيدة عن مركز المدينة، والتي تفتقر إلى فضاءات ثقافية ونواد للأطفال، ليقاوم سوداوية الواقع، يرفع شعار "الثقافة للجميع وفي كل مكان" في محاولة لكسر حاجز التصحر الثقافي، وفتح آفاق جديدة لأطفال هذه المناطق من خلال تقديم عروض مسرحية، وتظاهرات ثقافية بديلا.

ببسمة لا تفارق وجهه، يؤكد العلوي للجزيرة نت أن المسرح لا يحتاج سوى إلى ركح صغير، وبصمة المبدع، مشيرا إلى أن تبريرات غياب الدعم مجرد أوهام قد تكسر حماسه، وقد تغرق أحلامه والتفاؤل الذي يسكن بداخله في عالم أشبه برواية المستنقع.

ويرى أن مشاركاته في عروض مسرحية في قلب أرياف لم تعرف سابقا معنى للمسرح بمثابة الصرخة المدوية في وجه المركزية المقيتة، ومحاولة لكسر الشعور بالعزلة من أجل غرس نوع من الطمأنينة، وتشجيع أطفال هذه المناطق المحرومين، لتطوير مواهبهم، بعد سنوات من الضياع.

المبادرة لم تقتصر فقط على العروض المسرحية، فقد تفنن في ابتكار طرق أوسع، لتشمل أيضا مكتبة متجولة، وشاحنة ثقافية، وأيضا السينما داخل خيمة، وحتى التياترو المتنقل و"إفروديت" جميعها مبادرات قدمها العلوي لأطفال أرياف ماجل بلعباس الذين يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الثقافة.

‪يحارب التصحر الثقافي في مناطق الحدود التونسية الجزائرية‬ (الجزيرة)
‪يحارب التصحر الثقافي في مناطق الحدود التونسية الجزائرية‬ (الجزيرة)

الجوع الثقافي
في هذه الأرياف حيث لا يتوانى الشيوخ في لعب لعبة "كش مات الملك" يجلس العلوي على كرسي خشبي متأملا لهفة النظرات في عيون براعم بريئة مملوءة بحرقة الانتظار، وهي تملأ الفضاء ضجيجا وحركة، لتختزل مواهب دفنت دون أن تجد حضنا ثقافيا، يصقلها ويهتم بها، ويصنع منها شخصية ذات شأن.

يقول العلوي للجزيرة نت إن مبادرة الشاحنة الثقافية تهدف إلى تفعيل اللامركزية الثقافية، والمطالبة بالحق في الثقافة والسينما للجميع، والفكرة انطلقت خصوصا من افتقار المنطقة لمثل هذه الفضاءات، موضحا أنه في هذه المناطق الحدودية لا توجد قاعة للعرض، فجاءت فكرة الشاحنة الثقافية، والسينما موبيل، وإفروديت.  

يجول بصره في عيون الحاضرين بنظرات عينيه الحائرتين، متحسرا على أجيال لم تر المسرح إلا عبر شاشة التلفاز الصغيرة، في بلدته منذ أن انقطع حبل ود الدولة، لذلك قرر وفريقه الذي يضم عدة شبان بكل أدواتهم المسرحية والموسيقية منح مساحة من الأمل لأطفال بلدته وحقهم في الثقافة. 

ويضيف العلوي للجزيرة نت أن مبادرته صرخة في وجه المركزية والعوائق التي قد تحرم إنسانا من حقه في النفاذ إلى الأنشطة الثقافية وممارستها.

‪عروض العلوي تجربة لكسر حاجز الخوف وغرس الطمأنينة‬ (الجزيرة)
‪عروض العلوي تجربة لكسر حاجز الخوف وغرس الطمأنينة‬ (الجزيرة)

محاربة التصحر الثقافي
العلوي الذي انفرد بأسلوبه في نشر الثقافة لمن لا ثقافة لهم، من بين مئة شخصية فنية من كل أنحاء العالم، تقوم بعرض مجسم يحمل شعارا يدعم العمل الثقافي أمام مقر الأمم المتحدة في جنيف، وهو تكريم يأتي ضمن مشروع الأسواق الكبرى للاحتفال بمرور مئة عام على إنشاء مدرسة ثانوية للعمل الاجتماعي في جنيف.

وحمل مجسم الفنان المسرحي شعار "الثقافة للجميع وفي كل مكان" وهو ترجمة لرغبته في دعوة الجميع لتعزيز حقوق الانسان فيما يتعلق بالعمل الثقافي على أن يتواصل إلى سنة 2020، اعتبرها كذلك المخرج السينمائي بلال الرحموني، في تصريح خاص، أنها تتويج للفنان بسبب غياب الدعم والممولين في محافظة القصرين.

وتؤكد سيماء المزوغي المستشارة الإعلامية لوزير الثقافة أن الهدف من وراء وضع البرنامج الوطني "تونس مدن الفنون" -الذي شجع مبادرات العلوي- يندرج في إطار ترجمة المبدأ الدستوري "الحق في الثقافة مضمون" إلى واقع ملموس عبر تكريس ثقافة القرب وتمويل المبادرات والتصورات الإبداعية للمثقفين التونسيين في اتجاه تثمين خصوصية الإبداع الثقافي بشتى ألوانه.

وتضيف المزوغي أن مرتكزات هذا البرنامج تتمحور حول إحداث البرامج السنوية لمدن الفنون بكل جهة، وتنشيط الساحات ودعم روح المبادرة في مختلف المشارب الثقافية.

بالإضافة إلى تمويل الجمعيات لبعث مشاريع ثقافية ذات قدرة تشغيلية عالية في قطاعات الثقافة والفنون والتراث استنادا إلى مبدأ التمييز الاجتماعي للجهات الداخلية، ولإحياء ذات الكثافة السكانية العالية ودعم الاستثمار الثقافي.

لم تثن المنعرجات والتلال الصعبة رحلات العلوي وشاحنته الثقافية في إيصال رسالته إلى أرياف مدينة ماجل بلعباس المنسية، من أجل محاربة فكرة التصحر الثقافي، لكنها تبقى مجرد محاولات معزولة، يقابلها صمت حكومي.

المصدر : الجزيرة