تجربة عربية غير مسبوقة.. تسعة روائيين أردنيين يسردون "حكايات المقهى العتيق"

عمران عبد الله

صدرت حديثا عن وزارة الثقافة الأردنية رواية "حكايات المقهى العتيق"، التي تغوص في تاريخ مدينة مادبا (وسط الأردن)، عبر خطين زمنين؛ واحد يستلهم القديم، وآخر يتطرق للواقع الحديث.

وقال الباحث والكاتب حنا القنصل في تقديمه للرواية إنها تمثل "فتحًا جديدًا في الرواية العربية عمومًا، والأردنية خصوصًا؛ فالتجديد في الأدب عامة والرواية خاصة بحث دائب للتعبير عن علاقة الأديب بواقعه، وهو أيضا حيازة جمالية، وتنقيب عن عالم أفضل". 

وأضاف القنصل -في بيان وصل الجزيرة نت نسخة منه- أن "الجديد في هذه الرواية أنها ليست رواية راوٍ وكاتب واحد، بل اشترك فيها تسعة كتاب من أبناء مادبا، لهم تجارب مميزة.

وتواردت الفكرة الأولى للروائي جلال برجس، فكتبها وأشرف عليها إلى أن رأت النور بمعية مجموعة من الروائيين.

وتطرق كتاب الرواية إلى حقب تاريخية مختلفة؛ فقد تناول جلال برجس الحقبة المؤابية، بالإضافة إلى حركة الشخصية المتخيلة الدكتور مؤاب، وتناول علي شنينات الحقبة الأشورية، وإسلام حيدر الحقبة النبطية، ونوال القصار الحقبة الرومانية، وبلقيس عجارمة الحقبة البيزنطية، وسليمان قبيلات الحقبة الإسلامية، ويوسف غيشان رحيل المسيحيين من الكرك إلى مادبا، وعيسى الحميد الحقبة العثمانية، وأخيرا تناول بكر السواعدة مرحلة تأسيس الإمارة.

رواية جماعية
وفي إفادته للجزيرة نت، قال جلال برجس إنه يؤمن بالكتابة ذات الأبعاد المتعددة التي ينجزها عدد من الكتاب، مع اعتبار تنوع المستويات اللغوية واختلاف زوايا النظر الروائية.

وأضاف برجس أن هذا ما دفعه للتفكير كروائي في كتابة رواية تتطرق لمعظم الحقب التاريخية التي مرت على مدينة "مادبا".

ولكن كان أمام برجس عقبة سردية هي كيفية ربط ما يكتب بعضه البعض، ومن هنا ولدت فكرة المقهى، حسب الروائي الأردني الذي قال إن مقهى الحكايات العتيقة الذي بني في الرواية تخيلا ليجد الدكتور مؤاب (إحدى شخصيات الرواية التي عملت عليها) مساره لسرد الحكايات.

وتروي الرواية تسعة فصول كتبها تسعة كتاب من قاطني مدينة مادبا، وحكى برجس للجزيرة نت لقاءاته المستمرة عبر ورشات سردية حول كتابة الرواية وورشة أخرى حول تاريخ المدينة.

وأنجز كل كاتب وكاتبة فصلا لا يتجاوز عشرين صفحة، بما فيهم برجس، إضافة إلى كتابته حركة شخصية مؤاب، وبعد ذلك أمضى الروائي الأردني وقتًا في التحرير والمراجعة اللغوية والروائية والتاريخية إلى أن صدر العمل.

جلال برجس: كانت تجربة ممتعة حينما ننظر إلى مدينة من تسعة أبعاد خاصة (الجزيرة)

وعن تجربة الرواية المشتركة، قال إن الأديبين الراحلين عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا سبق أن كتبا رواية مشتركة بعنوان "عالم بلا خرائط"، وهي التجربة التي اطلع عليها كل كتاب هذه الرواية، مضيفا أن الكتاب المشاركين منهم الشاعر والقاص والكاتب الساخر والأكاديمي والروائي والإعلامي، ومن هنا وجد برجس أن هذا التنوع سيغني الرواية، ويأخذ القارئ إلى ما يريدونه من وراء فعل الكتابة بطريقة سلسة.

وأضاف "كنا نعلم أننا مقدمون على مغامرة روائية. لكن اتفاقنا على المخطط المسبق للرواية والحقب التاريخية التي سنتطرق لها جعلنا نطمئن إلى أن الفكرة ستجد قبولا لدى القارئ". 

وأردف قائلا "لقد كانت تجربة ممتعة حينما ننظر إلى مدينة من تسعة أبعاد، خاصة أن التاريخ المتعلق بها سيكتب روائيًّا".

ومع ذلك، لم يغب التناغم عن الرواية، إذ يتسنى للقارئ -حسب برجس- أن يعيش لحظة السرد في "مقهى الحكايات العتيق" وينصت للحكاء فيرى مادبا قديمًا، وفي الوقت ذاته يراها حديثًا ومن زوايا جديدة. القارئ لن ينسى ما يقرأه عن التاريخ روائيًا. 

حبكة درامية
ورغم تنوع الأقلام المشاركة في الرواية وتعدد الساردين، فقد اشتملت الرواية على حبكة درامية؛ إذ يكتشف الدكتور مؤاب، العالم المهتم باستعادة الأصوات من الفضاء أنه لا يعلم عن جذوره شيئًا، إثر سؤال ونقد وجها له ضربا في المنطقة الحساسة للهوية وصراع الحضارات، فيقرأ معظم ما كتب عن مادبا ويزورها مع زوجته الأميركية وابنته عازفة البيانو لأول مرة وهو الذي ولد في أميركا لأب وأم توفيا هناك. 

ويكتشف مؤاب أن أباه لم يخبره عن مادبا شيئًا، ولا حتى عن البيت الذي ولد وعاش فيه، الأمر الذي يجعله يفتش عن بيت والده فلا يجده. يتعرف في مادبا على عازف عود يعزف مساء في مقهى الحكايات العتيقة، ومن هناك يكتشف أن الناس غير مهتمين بالتاريخ فيتبوأ مكانة الحكاء التي انقرضت هذه الأيام، ويروي لهم حكايات من حقب تاريخية مرت بها مادبا، ويخبرهم أنه استعاد بعض الأصوات من الفضاء فيروي لهم ما سمعه منها. 

وتناولت الرواية موضوع الهوية، وإلى أي مدى يمكن تزوير التاريخ ولي عنقه بحيث تتبدل حقائق السرديات التاريخية.

ويتعرف مؤاب على رجل مسن شارك في حرب 48 ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن خلال هذا الرجل يمسك طرف الخيط في معرفة سيرة أبيه الضائعة، ليفاجئ القارئ أخيراً بنهاية غير متوقعة ولها علاقة بالسؤال الذي جعله يقرأ تاريخ مدينته ويتحول إلى حكاء في أحد مقاهيها.

وبين برجس أن "من كتبوا هذه الرواية يؤمنون بالعمل الجماعي، خاصة في نوع كهذا من الروايات يستهدف تاريخ مدينة مثل "مادبا" منذ الحقبة المؤابية وانتهاء بمرحلة تأسيس إمارة شرق الأردن".

وإلى جانب البعد المحلي، تهتم الرواية بالعالمية من جانب آخر؛ كون الحقب التاريخية عالمية، بما أن الرومان والبيزنطيين والأشوريون -على سبيل المثال- شركاء فيها. وتحاول الرواية أن تقدم مادبا للقارئين العربي والعالمي بصورة يمكن لأي قارئ أن يجد له مكانا فيها.

المصدر : الجزيرة