الأدب النسائي في مرايا النقد بين القبول والرفض

الباحثة المغربية خولة الزلزولي: جورج طرابيشي مثلا وضع المرأة في مرتبة أقل من الرجل وفرض عليها قيودا (الجزيرة)
الباحثة المغربية خولة الزلزولي: جورج طرابيشي مثلا وضع المرأة في مرتبة أقل من الرجل وفرض عليها قيودا (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

تقول الأديبة السورية غادة السمان "الصدفة البيولوجية جعلتني أنثى.. فهل أحاكم لذلك؟" تعكس هذه المقولة ما أثاره مصطلح الأدب النسائي من جدل ولا يزال منذ ظهوره في أواسط القرن الماضي، وتأرجحت الآراء بشأنه بين رافض له على أساس أن الأدب إنساني سواء أنتجه رجل أم امرأة، وبين متبنٍ له، مرة لإثبات ندية المرأة للرجل، ومرة للانتقاص من كفاءتها. 

هجوم
استخدم بعض النقاد مصطلح الأدب النسائي لمهاجمة كل منتج أدبي تكتبه الأنثى والحط من قيمته، وتلاحظ الباحثة المغربية في الأدب العربي خولة الزلزولي أن جورج طرابيشي مثلا وضع المرأة في مرتبة أقل من الرجل وفرض عليها قيودا، بل إن حسن بحراوي يرى أن منجزها لم يصل بعد إلى مستوى النضج الفني.

وتضيف الزلزولي للجزيرة نت أن المصطلح نشأ على العموم للتعبير عن رفض الهيمنة الذكورية التي غيبت صوت المرأة، وبرز من أجل إثبات وتميز خصوصية الأدب النسائي في حقل الإبداع.

من جانبها، تبرز الأديبة المصرية رشا عدلي للجزيرة نت أن التصنيف يعد تكريسا للعزلة والتهميش، إضافة إلى أنه تعبير يشوبه الغموض بدلالات مشحونة بالمفهوم النسائي.

‪الناقد والباحث المصري حلمي محمد القاعود: بعض الكاتبات سعين إلى إثبات فكرة الندية للرجل الكاتب بزعم أن المرأة أقدر على التعبير عن المرأة‬ (الجزيرة)

رد
ترد الأديبة زهرة الرميج على من يرون أن كتابة المرأة مجرد حكي مرسل لا تحكمه ضوابط فنية، ولا خيارات جمالية معينة، ولا يصدر عن رؤية خاصة في الحياة بأنهم ينطلقون في حكمهم هذا من فكر ذكوري ونظرة دونية للمرأة. 

والمؤسف -تضيف الروائية المغربية للجزيرة نت- أنهم يصدرون هذا الحكم دون أن يكلفوا أنفسهم قراءة تجارب العديد من الكاتبات، وإن قرأوها فإنهم يهتمون بالمضامين دون الأشكال الجمالية. 

وتتابع "إنهم يتخذون من مصطلح "الكتابة النسائية" وسيلة للتمييز بين كتابة الرجل وكتابة المرأة، واصفين الأولى بكونها صادرة عن العقل الواعي، والثانية عن العاطفة الجياشة.

تأرجح
يتأرجح مصطلح الأدب النسائي بين فرضيتي النضال النسوي من أجل تفكيك الهيمنة الذكورية من جهة، والسعي إلى تكريسها من جهة ثانية.

ويبرز الناقد حلمي محمد القاعود للجزيرة نت أن بعض الكاتبات سعين إلى إثبات فكرة الندية للرجل الكاتب بزعم أن المرأة أقدر على التعبير عن المرأة.

‪الروائية المغربية زهرة الرميج: الإبداع لا جنس له‬ (الجزيرة)

لكن ثبت أن بعض الأدباء الرجال يتفوقون في مجال التعبير عن المرأة أكثر من المرأة نفسها، وإحسان عبد القدوس مثال على ذلك، يضيف الأكاديمي المصري، بل يلاحظ أن الأديبات الممتازات لم يحاولن إثارة هذا المصطلح والتحشيد من أجله مثل عائشة بنت الشاطئ ونازك الملائكة.

ويشير الناقد حلمي إلى أن المصطلح مؤدلج يهدف إلى التأسيس لاستغناء المرأة عن الرجل، مبرزا أن ذلك لن يحقق غاية مفيدة، لأن الرجل سبب وجود المرأة بيولوجيا على الأقل، حسب تعبيره.

تجاوز
من جهته، يؤكد الناقد سالم القائدة أن النقد تجاوز هذا التصنيف، لما بلغته الكتابة النسائية من نضج شكلا ومضمونا، وهذا لا يعني أنه ليست ثمة خصوصية تميز كتابة المرأة، ذلك أن قضية المرأة في العمق في مختلف مظاهرها ترتبط بقضايا التحرر.

ويوضح الباحث المغربي للجزيرة نت أن تتبع تجربة الكتابة النسائية في السرد يبين بوضوح كيف تناولت المرأة قضايا التاريخ إلى القضايا الاجتماعية بجوار رواد هذا الاتجاهين.

فيما تشرح الكاتبة المصرية رشا عدلي صاحبة رواية "آخر أيام الباشا" التي ظهرت ضمن اللائحة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية أنها نفسها تكتب الرواية التاريخية، في حين تجد أديبا رجلا يكتب الرواية العاطفية.

وتضيف أن المرأة العربية أثبتت جدارة مستحقة في الإبداع، ذلك أن المنحى الفكري في النصوص يبرهن على أن المرأة اتخذت مسارات مختلفة في آليات السرد والأفكار والرؤى.

ذكر أم أنثى 
تقترح الأديبة والناقدة لطيفة لبصير أن نحذف الاسم قبل أن نقرأ منجزا أدبيا مبدعا، وتكاد تجزم أن لا أحد يستطيع ممن يطلعون عليه لأول مرة أن يستدل على كاتبه رجلا كان أم امرأة. 

لكن هل ينفك الإبداع عن ذات المبدع؟ سؤال كثيرا ما طرحه النقاد، ففي هذا الشأن تقول الأكاديمية المغربية للجزيرة نت "لا أتصور أن الإبداع سينبني دون عوالم داخلية للشخصيات، ولا أعتقد أن الحميمية التي نقرؤها في العمل تناقض الأدب، فقد بني الأدب العالمي على الذات، والذات هي بؤرة الأعمال الإبداعية ذات الحس العالي".

وتتابع الباحثة الجامعية "بدون عوالم التذكر لم نكن لنقرأ مارسيل بروست وعوالم طفولته والأشياء التي أثرت على حياته ككل، وبدون ذاتية الأشخاص لم نكن لنصل إلى التجليات النفسية التي نصل من خلالها إلى أعقد ما تعيشه البشرية من اضطرابات وارتباكات أحدثت لنا الأدب في حد ذاته".

‪الأديبة والباحثة المغربية لطيفة لبصير: لا أتصور أن الإبداع سينبني دون عوالم داخلية للشخصيات‬ (الجزيرة)

مرفأ
إن خصوصية الأدب لا تجعل منه ذلك المرفأ الكامن المستقر، إنه لا يتأتى سوى من اختلال بينه وبين العالم الذي يحتويه، كما تؤكد الكاتبة لبصير.

وتبرز "أنجزت عملا نقديا حول السيرة الذاتية النسائية في العالم العربي، وما يهمني في هذا التصنيف والعزل في الدراسة هو دراسة ما تكتبه المرأة برؤية تخالف هذه الآراء التي ترد علينا دون معرفة قوية أو عودة إلى الأعمال".

أما الكاتبة المغربية زهرة الرميج فتؤكد أن الإبداع لا جنس له، فهو يصدر عن النفس البشرية التي يتوحد فيها الأنثوي والذكوري. 

وتضيف "لا يتحقق بدون إحساس مرهف لدى المبدع يمكنه من التفاعل مع الواقع الذي يعيشه، ودون نظرة ثاقبة تجعله يلتقط الإشارات والتفاصيل الدقيقة، ودون تصور فكري شمولي ورؤية جمالية وخيال واسع قادر على خلق نصوص إبداعية تجمع بين المتعة الفنية والعمق المعرفي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ناقشت الكاتبتان السعوديتان ليلى الجهني وبدرية البشر على هامش معرض أبو ظبي للكتاب التجربة النسائية الأدبية بالمجتمع السعودي. واستعرضت الكاتبتان جملة عوائق اجتماعية تعيق الأدب السعودي رغم الانفتاح الذي شهده المجتمع في العقد الأخير. وتطرقت الندوة إلى حقوق المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.

طرحت ندوة “الرواية الخليجية إلى أين؟” التي قدمها الناقد رشيد بو شعيرة، واقع ومستقبل الرواية الخليجية، مثيرة العديد من التساؤلات حول هوية الرواية الخليجية، وما يميزها عن نظيرتها العربية، وحدود إفادة الكاتب من سيرته الذاتية فى كتاباته الأدبية، و ظاهرة الرواية النسائية.

دعا مشاركون ومشاركات في ندوة “النسوية” بعمان المرأة الخليجية المشتغلة بالكتابة الإبداعية، إلى تجنب الصدام مع “الآخر” في أعمالها، سواء كان ذلك الآخر هو المجتمع بتقاليده وعاداته أو الرجل، بينما دعوا الأخير إلى احتواء الإبداع النسوي للوصول إلى خطاب أدبي تكاملي.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة