إضاءته أثارت الجدل.. نصب الحرية في بغداد ذاكرة شعب

المبادرات الشبابية امتدت إلى نصب الحرية من خلال إضافة إضاءة خلفية لقطعه البرونزية (الأناضول)
المبادرات الشبابية امتدت إلى نصب الحرية من خلال إضافة إضاءة خلفية لقطعه البرونزية (الأناضول)

عطيل الجفال-بغداد

تحولت ساحة التحرير في بغداد -التي يطل عبرها نصب الحرية وهو يتأمل نهر دجلة وجسر الجمهورية- إلى مركز الاحتجاجات منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، حيث يتجمهر المحتجون بين الحين والآخر ليطالبوا بإصلاحات معيشية، ومحاربة الفساد السياسي. لكن مطلع أكتوبر/تشرين الأول، شهدت الساحة احتجاجات مختلفة هذه المرة، فلم تطالب بإصلاح النظام بل إسقاطه، بإجماع شبابي لم يتقدمه قائد أو جهة، وبمبادرة ثورية لاقت تأييداً سريعاً من غالبية العراقيين.

هذه الاحتجاجات حملت معها ثورة اجتماعية لم تكن متوقعة من أكثر المراقبين تفاؤلاً، فنفق التحرير الذي يربط بين شارعي السعدون والجمهورية تحول إلى معرض للوحات والغرافيتي، وأنفاق المشاة التي أغلقت وأهملت طوال 16 عاماً، عادت إلى الحياة بأرضية وإنارة جديدة ورسوم ولوحات فنية على الجدران، وكل ذلك بمبادرات فردية ودعم بسيط، تلخص مطلبها في شعار "نريد وطنا".

نصب الحرية أثناء عملية إنارته التي جرت مؤخرا (مواقع التواصل)

إضاءة النصب
المبادرات الشبابية امتدت إلى نصب الحرية للفنّان الراحل جواد سليم الذي أخذ نصيبه من القنابل الدخانية والرصاص الحي، من خلال إضافة إضاءة خلفية لقطعه البرونزية 14. إلا أن الأصوات المعترضة سرعان ما تعالت، رافضين المساس بالنصب بأي شكل من الأشكال، حتى إن بعض المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تعاملت بقسوة مع الأمر.

خلال الأعوام الأخيرة، ارتفعت الأصوات المطالبة بضرورة ترميم النصب، حيث تساقطت بعض أجزائه مما ينذر بانهيار أو تشوّه أكبر قد يصيبه، وقد دعت "مجموعة السياسات الثقافية" إلى "وقفة تضامنية للتعبير على رفض هذه اللامبالاة تجاه أحد أهمّ الأعمال الفنيّة".

ومن أوائل الذين انتبهوا إلى الأضرار في النصب هاتف فرحان المصور الفوتوغرافي المهتم بالتراث الذي قدم تقريراً مصوراً عن أضرار نصب الحرية جراء الانفجارات بمحيط النصب من سيارات مفخخة وعبوات ناسفة، بالإضافة إلى إطلاق النار العشوائي والتي كانت لها تأثيرات سلبية لا تقتصر على الشريط الزخرفي المعروف بالإفريز الذي يحمل المنحوتات التي تشكل النصب فحسب، بل على بعض هذه المنحوتات، حيث اخترقت الشظايا منحوتتين في النصب، إضافة إلى سقوط قطع المرمر التي تغلف الإفريز، وتهشم السلم الأرضي ناهيك عن أثر الملصقات السياسية والدعائية على جوانب النصب.

يقول فرحان "الإضاءة مقبولة الآن كون النصب كان معتما، وهي على كل حال مؤقتة، وجاءت نتيجة لوجود المتظاهرين والمعتصمين في الساحة". ويؤكد "البعض حمل الموضوع أكثر مما يجب، وكان الأجدى بهم الحديث عما كان يعانيه النصب في المرحلة السابقة، لا أن تثيرهم إضاءة احتفائية".

قبل الاحتجاجات المستمرة منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول (الجزيرة)

أيقونة عراقية
يقول الفنان المخضرم طالب مكي "الإضاءة كانت مؤذية للنصب، ويبدو أنها كانت محاولة عفوية وقد تمت معالجتها بسرعة" ويؤكد أن نصب الحرية له أهمية فنية وتاريخية ويجب الحذر الشديد في التعامل معه، لافتاً إلى أن هناك أجزاء منه تتداعى، لذا يجب تشكيل فريق متخصص في معالجة وترميم الأعمال الفنية أو الآثار بطريقة علمية صحيحة.

ويضيف مكي -وهو أحد أبرز المعاصرين لجواد سليم- أن النصب عمل فني واضح للعيان لا يحتاج إضافة ارتجالية من هذا النوع، الإضاءة ممكن أن تحيط بالنصب بمسافة سليمة لإضاءة الأشكال النحتية بشكل صحيح، نصب الحرية عمل فني مهم جداً من الناحية الفنية وكذلك أهميته في المجتمع حيث يحتضن الشعب الثائر ليطالب بحريته.

أما المسؤول البيئي في بلدية غوتنبرغ السويدية العراقي الأصل وسام إسكندر فيرى أن نصب الحرية مصنوع من البرونز، وتسليط الضوء مباشرةً عليه بهذه الطريقة سيؤدي إلى تفاعله مع المعدن الذي تُصنَع منه قاعدة النشرات، محذرا من أن أي تماس بين المعدن والبرونز ينتج عنه تآكل المعدن بطريقة تحدث آثاراً على النصب وتشوهات بمرور الوقت، خصوصاً في الرطوبة العالية والحرارة.

ويلفت إلى أن طبقة صدأ النحاس ستتأثر، مؤكداً أن وضع إضاءة للنُصُب التذكارية يتطلب متخصصين ومهندسين وفنيين ومن واجب الجميع الحفاظ على هذا العمل الفني المهم.

من جانبه يؤكد محمد زيارة أحد المنفذين للإضاءة في النصب أن الفكرة جاءت من المتظاهرين، وقد حرصنا بعملية التنفيذ على الحفاظ على النصب "لذلك استخدمنا أدوات لصق باردة ويمكن إزالتها بسهولة، بالإضافة إلى الإضاءة الشريطية لم تكن ذات وزن يذكر لتؤذي القطع الفنية".

ويلفت زيارة إلى أن النصب والأيقونات العالمية عادة ما تشهد تعبيرا احتفائيا خلال المناسبات الإنسانية، على سبيل المثال برج إيفل في "عاصمة النور" باريس والذي تتغير إضاءته كل عام بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة.

أما الناشطة والصحفية أميرة الجابر، فتقول إن ما جرى من حديث حول الإضاءة بالنصب مبالغ به للغاية، وتوضح أن الشباب الذين أعادوا الحياة إلى ساحة التحرير بكل مفاصلها، لا يمكن أن يمسوا النصب الذي بات الرمز الأول لحراكهم بأي سوء.

صورة ارشيفية للراحل جواد سليم (مواقع التواصل)

نبذة تاريخية
يشار إلى أن الراحل جواد سليم صمم نصب الحرية عام 1959، وتولى المعماري والتشكيلي رفعت الجادرجي الإشراف على بناء الجدارية التي تحمل القطع الفنية، لكن سليم تعرض لنوبة قلبية أودت بحياته في 23 يناير/كانون الثاني 1961، وأكمل من بعده النحات محمد غني حكمت ترتيب النصب القائم حالياً.

وقد أنجز النصب البرونزي خلال عامين في فلورنسا الإيطالية ونقل لبغداد عام 1961. ويضم 25 مجسماً بالإضافة إلى الثور والحصان، ويعد أحد أكبر النصب في العالم، وهو يجسد تاريخ العراق. ومن أبرز قطعه الفنية الأم الباكية على ولدها، والجندي المحطم لقضبان السجن، وأحلام ما سوف قد يأتي من حرية وثورة صناعية وزراعية.

المصدر : الجزيرة