رواية "الشيباني".. عندما يصبح الحب تحت رحمة الجنرال

مصطفى فرحات

إذا ذُكرت موريتانيا في باب المعرفة والأدب، يربط كثيرون بينها وبين الشّعر حتى قيل إن "شنقيط" هي بلد المليون شاعر. ولهذا لا يستغرب الناس عندما يلتقون بموريتاني ينظم القصائد ويحفظ شعر الأقدمين والمُحدثين، وكأن الموريتاني يرضع القصائد مع حليب الأم.

لكن قد يستغرب البعض أن يتطلع أهل هذا البلد المولع بالعربية إلى فنون أدبية أخرى، لا سيما فن الرواية، حيث يحمل الروائي الموريتاني إلى وطنه ذخيرة نادرة وعِلقا نفيسا بعدما كان الشاعر الموريتاني يحمل إلى قومه سلعة موجودة في كل ركن، فأصبح مثل "مستبضع التمر إلى هجر".

ويرفع الروائي والإعلامي أحمد فال ولد الدين لواء التميّز بروايته الثانية "الشيباني"، الصادرة عن دار التنوير، بعد روايته الأولى "الحدقي" الصادرة عن دار مسكيلياني.

ويتناول الكتاب (270 صفحة) قصة ولد الشيباني، وهو موريتاني على قدر عال من الثقافة امتهن بيع الكتب في قطر، هاربا من تجربة عاطفية قاسية عاشها في بلده، يجد صعوبة في التأقلم مع الحياة الاجتماعية ويفضل العيش بين دفتي الكتب التي يأنس إليها وإلى أصحابها الذين غادروا ظهر هذه الأرض لكن ذكرهم ما زال باقيا فيها.

حياة قاسية
عاش "الشيباني" حياة قاسية مليئة بالصدمات، فهو الطفل الذي ولد بعد سنوات من مفارقة والده -الذي لم يعرفه- لأمه، ولا شيء يُسكت كلام أهل الحي عنه وعن والدته سوى التترس بفتاوى الفقهاء في الحمل "المخسور"، وهو الجنين الذي يتوقف عن النمو في بطن أمه لفترة قد تبلغ سنوات، ثم يعاود النمو ليولد بعد ذلك.

في مجتمع موريتاني قائم على الطبقية والاعتزاز بالنسب ورفع الناس أو خفضهم باعتبار الأسر والعائلات التي ينتمون إليها، لا يجد الشيباني مكانا لائقا للعيش ولا نصيبا من الاحترام والتقدير، رغم كفاءته المعرفية.

وعندما ينتقل للعاصمة نواكشوط يقع في حب ابنة جنرال نافذ، وتحت ضغط عائلتها تضطر سلمى لقطع علاقتها به، لأسباب أبرزها انعدام التكافؤ بين العائلتين اللتين ينحدر منهما العاشقان.

يُصدم "الشيباني" مرة أخرى بصديقه المقرّب عبد الرحمن الذي لم يتقبّل أن يكون صديقه -الأدنى منه نسبا ومرتبة- متفوقا عليه في الدراسة ويصبح من ثمّ محبوبا لدى الطلبة في الجامعة وصاحب حظوة وتقدير لديهم، فيذكّره أمام الناس بنسبه ويُزري عليه وينتقص من قدره.

فعندما سرد بطل الرواية سلسلة نسب البحتري من ذاكرته دون تلعثم وصفّق الحاضرون في المدرّج الجامعي إعجابا بذلك، قال له صديقه المُقرّب غاضّا من قيمته "جدير بالإنسان أن يعرف اسم أبيه أولا قبل معرفة أجداد شاعر مات قبل أكثر من ألف عام".

هي لعنة النسب إذًا.. ذلك الداء الذي ما زال مستشريا في جسد الأمة التي نزل فيها قرآن يُذكّرها أن "أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقد ورد في الحديث "أربعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليةِ، لا يتركوهنَّ: الفخرُ في الأحسابِ، والطعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنجومِ، والنياحةُ".

روح المعري
لم تنفع ولد الشيباني ميزة العيش في المدن الكبيرة، فـ"النسب يذبل حيث تنبت المدارس والجامعات"، و"ماء الأحساب يغيض حيث تُزهر غابات الإسمنت".

يغادر بطل الرواية الجامعة ويبدأ رحلة معرفية جديدة في مدارس البوادي الموريتانية، وهي مدارس تفتح الباب لكل الراغبين في تعلم الأدب والعلوم الدينية، وهاجس الهوية -هويّته- يؤرقه، لأن كل محطات حياته تُذكّره أنه مهما فعل سيبقى في أدنى درجات السلّم الاجتماعي.

وبعد رحلة غامضة إلى السنغال لا تذكر الرواية تفاصيلها وتكتفي بالإشارة إليها، في بعض الحوارات بين البطل وأحد أصدقائه، يلقي الشيباني عصا التّرحال في قطر، ويمتهن فيها بيع الكتب، وهو يرثي لحاله وحال أمة غلبت عليها ثقافة الاستهلاك ولم تعد المعرفة من أولوياتها.

ويعود البطل إلى بلده موريتانيا، أملا بلقاء حبيبته، قبل أن تعصف به وبالبلد أحداث سياسية كبيرة تلقي به في أتون نهاية مأساوية.

ولئن أهدى الروائي ثمرة إبداعه لشخصيتين فذّتين: ابن تيمية وإدوارد سعيد، إلا أن روح رهين المحبسين، أبي العلاء المعرّي، ظلت ترفرف فوق الرواية، إذ إن كل فصل من فصولها يستهل بتوقيع شيخ معرّة النعمان الذي خبر الحياة وزهد فيها وفي أهلها، ومع ذلك لم يسلم من أذاهم وافتراءاتهم.

تغوص الرواية في أعماق اجتماعية وثقافية، في رحلة تبدأ من "أقصى الغرب" إلى المشرق وتعود من حيث انطلقت، وصدى ابن الخطيب يتردد في جنباتها:

غريب بأقصى الشرق يشكر للصَّبا * تحمّلها منه السلام إلى الغربِ

وما ضرّ أنفاس الصَّبا في احتمالها * سلامَ هوى يُهديه جسمٌ إلى قلبِ

المصدر : الجزيرة