المسيحية والفكرة الرأسمالية.. جذور الاتصال تحولت إلى قطيعة وانفصال

العلاقة بين الرأسمالية والمسيحية المعاصرة تأرجحت بين الارتباط والقطيعة (غيتي)
العلاقة بين الرأسمالية والمسيحية المعاصرة تأرجحت بين الارتباط والقطيعة (غيتي)

يفترض البعض أن الأفكار الرأسمالية نمت وازدهرت في عصر التنوير في القرن 18 الذي اشتهر بكونه زمن تضاؤل ​​دور الدين في المجتمع، لكن في الواقع كانت المؤسسة الكنسية في القرون الوسطى هي المكان الرئيسي لأول براعم الرأسمالية.

 

وربط عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920) أصول الرأسمالية بالمدن البروتستانتية الحديثة، حيث بدأت الأديرة والكنيسة التي امتلكت ما قد يصل لثلث الأراضي بأوروبا في ترشيد الحياة الاقتصادية بممارسات شبيهة بحكم القانون والبيروقراطية وآليات حل النزاع، والتخصص والدوام المؤسسي وتراكم رأس المال الذي قدمته الرأسمالية الحديثة.

ورأى فيبر أن البروتستانتية التي تهتم بمباهج الحياة أقرب للرأسمالية من الكاثوليكية "الأكثر انفصالاً عن العالم".

وهكذا، لم تكن الرأسمالية والمسيحية في صراع، إذ جادل فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" (عام 1905) بأن "الروح" الأوّلية للرأسمالية ربما لم تكن نفسها مسيحية، لكن المسيحية البروتستانتية وعلم اللاهوت الكالفيني حفزا صعود الرأسمالية الحديثة، وكانت الرأسمالية متوافقة تقريبًا مع الممارسات المسيحية، ومع ذلك لاحظ فيبر أن هذه الروح ابتعدت بالفعل عن جذورها الدينية. 

وفي القرن 21 وفي زمن "الرأسمالية التي يهيمن عليها التمويل" تتبنى كاثرين تانر الأكاديمية بجامعة ييل قراءة مختلفة للمشهد الحالي، وفي مقدمة كتابها "المسيحية والروح الجديدة للرأسمالية" تقول إنها ناقدة للروح الحالية للرأسمالية لإيمانها بأن التزاماتها المسيحية تتطلب ذلك.

وتتابع "لكنني أقترح أيضًا على مدار فصول الكتاب أن تنظيم الرأسمالية الحالي يستحق مثل هذا النقد مهما كانت التزاماته الدينية، بسبب آثاره غير المرغوبة على الأشخاص والسكان، وتأثيراته المشوهة على الطريقة التي يفهم بها الناس أنفسهم وعلاقاتهم مع الآخرين".

وتذهب للقول إن الرأسمالية اليوم والنظرية الاقتصادية الحديثة أصبحت أكثر فردية وتتسع بشكل كبير لدرجة أنها "تتظاهر بأنها شاملة بلا حدود، ولا يوجد شيء خارجها" وتشكل السلوك والبشر بطابعها الخاص. 

وتقارن تانر مفاهيم مثل الولاءات النهائية (وظيفتك ورئيسك أم الإله؟) وتقارن كذلك سوق السندات وخدمة الديون بحالة العبودية، وتدرس كيف يشوه عالم الاستثمار اليوم مفهومنا عن الزمن وشعورنا بالمكان.

وتركز غالب النقاش في الكتاب على الآثار المدمرة للديون، والآليات التي تعمل على إدامة ثقافة الديون. وتقول الكاتبة إننا نعيش في عالم تقريبًا مدفوعًا بالكامل بالائتمان والقطاع المالي للاقتصاد -الذي يمثل نصيب الأسد من الاقتصاد العالمي اليوم- ورغم أنه غير مرئي لمعظم الناس لكنه يشبه الهواء الذي نتنفسه.

تناقض
وفي تقريرها الذي نشره موقع "مارجيناليا" الأميركي، قالت الكاتبة كريستينا ماكوري إن كتاب "المسيحية والروح الجديدة للرأسمالية" يُعتبر امتداداً لفكرة فيبر، حيث جادلت تانر بأنه في القرن الماضي، انتقلت الأوضاع من السيئ إلى الأسوأ، وبدا أن التوافق بين المسيحية والرأسمالية فُقد تماما، حتى أنهما أصبحا جوهرين متضادّين. 

وأضافت الكاتبة أن اهتمام تانر مرتكز حول الطرق التي تعتمدها الرأسمالية لتدريبنا على التصرف والتفكير والرغبة والتصوّر وحتى الخوف، وتقول "نحن بحاجة إلى هذا المنظور حتى نلاحظ الأزمة التي وقعنا فيها، خاصة وأن الرأسمالية تتنكر في زي الحياة الطبيعية المعتادة، وتمنعنا من التفكير خارج قيودها".

وأوردت أن نهج تانر ابتعد عن التفاصيل من أجل رؤية الصورة الأكبر. وأوضح المنظرون الناقدون أن هذه الطريقة مفيدة بشكل خاص عندما تُنشأ الحقائق والبيانات داخل نظام أيديولوجي، حيث لا يمكن الوثوق بها لكشف الحقيقة كاملة. 

رأسماليات
وفي حالة التفكير النظري والنقدي في الرأسمالية، يصبح من المهم أن ندرك عن أية رأسمالية نتحدث، إلا أن ذلك صعب نظرًا لأن مصطلح "الرأسمالية" يبقى "مفهومًا متنازعا عليه أساسًا". والأكثر من ذلك أن مجموعة الظواهر والممارسات والقيم والترتيبات المؤسسية التي يشير إليها المصطلح تعد متغيرة باستمرار. لذلك، سيكون تلخيص كل هذه الأمور على أنها "روح" واحدة مهمة صعبة. 

وذكرت ماكوري أن كتاب "الروح الجديدة" بدأ بتوضيح أن الروح التي يناقشها هي الرأسمالية "المالية" الحالية التي يفهمها القارئ من خلال روح العمل بالقطاع المالي الأميركي قبل عام 2008، وأحيانًا من تجربة أولئك الذين يواجهون تداعيات الأزمات الاقتصادية والفقر الحاد. 

وبيّنت الكاتبة أن الصورة المثيرة للرأسمالية في "الروح الجديدة" قد تكون مفيدة للغاية. ويمكن قراءتها كمجموعة من الأسئلة، وأهمّها كيف يمكن للأشخاص خارج قطاع التمويل التعرف على الضغوط التي تحددها تانر في حياتهم الخاصة وكيف يستوعبون القيم التي تنتقدها. وبعد ذلك، كيف يمكن أن يكون الإيمان الذي يعلنونه مفيدًا لإعادة توجيه أولوياتهم واهتماماتهم؟ 

نقد
ولاحظت الكاتبة أن مؤلَف "الروح الجديدة" يؤكد أن الرأسمالية نفسها لها روح واحدة ومتّسقة داخليًا، ووصفت هذه الروح بأنها خبيثة وشريرة تمامًا، فإما أنها تترك آثارا فاسدة، أو أنه ليس لها أية آثار إيجابية أو محايدة أخلاقيا. 

ومع ذلك تتعرض ماكوري بالنقد هذه الفكرة، فهي ترى أنها غامضة وسياقها الأخلاقي معقد، وثمة إيجابيات عملية وأخلاقية للفكر الرأسمالي على الرغم من مظالمها ومساوئها.

وتخشى أن يصبح كتاب "الروح الجديدة" الكلمة الفيصل حول علاقة المسيحية والرأسمالية اليوم، إذ يرى الكتاب الرأسمالية باعتبارها "معادية للروح" ونقيض النعمة الإلهية وحتى مرادف الوثنية. 

وفي نقد شديد للمؤلَف وفكرته تقول ماكوري إن نتائج الكتاب قد تؤدي إلى التحلي بأخلاقيات هشة و"مناهضة للعمل" وربما مناهضة للمال والديون، ومناهضة للوظائف، وأي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أو توزيع السلطة.

وتتابع نقدها معتبرة أن الكتاب يخرج باستنتاج بأن لا عمل ولا أية ممارسة اقتصادية أخرى قادرة على مكافأة الجهد، ينبغي أن يكون لها مكان في حياة المسيحي المتدين، ومع ذلك لا تبدو فكرة الكتاب جديدة من نوعها، فالانتقادات المسيحية للرأسمالية صارت معتادة في الآونة الأخيرة.

وقبل عدة أعوام، وصف فرانشيسكو بابا الفاتيكان الرأسمالية بأنها سبب عدم المساواة على أقل تقدير أو قاتلة في أسوأ الأحوال، واعتبر أنه "لم يعد بمقدورنا الثقة في القوى غير المرئية واليد الخفية للسوق".

ويبدو في النقاش بين فكرة الكتاب ونقدها الفارق بين الرأسمالية التي كتب عنها فيبر باعتبارها وثيقة الصلة بالمسيحية البروتستانتية، وبين الرأسمالية في نسختها الأخيرة التي تؤكد المؤلفة على انفصالها عن الأخلاق والدين بسبب الدوافع الأنانية التي تدينها التعاليم الدينية.

المصدر : الجزيرة