النمساوي المغامر في بلاد السودان.. سلاطين باشا ومذكرات "السَّيف والنار"

غلاف كتاب السيف والنار لسلاطين باشا (مواقع التواصل)
غلاف كتاب السيف والنار لسلاطين باشا (مواقع التواصل)

عماد بابكر-الخرطوم

 

أرخت كتب كثيرة لتواريخ شعوب وحكت أحداث حقب مهمة فيها، غير أن كتاب السَّيف والنار في السُّودان لسلاطين باشا من الكتب التي أثار محتواها ومؤلفها جدلًا واسعًا، في حين يوجد من القراء من قرأ الكتاب واعتبره شاهدا على العصر ومنهم من لا يُعد المؤلف أكثر من سجين يمقت سجانه.

ولم يكن السَّيف والنار الكتاب الوحيد الذي أرَّخ لحقبة الثورة المهدية في السودان لكنه من أهمها لطول الفترة المؤرخة، ولكثرة أحداثها، ولكونه من أوائل الكتب التي تناولت الحركة المهدية، وأيضا للحفاوة التي استقبل بها في أوروبا.

أما في السُّودان -على وجه التحديد- فقريب منه كتاب سجين الخليفة لشارلز نيوفيلد (عبد الله المسلماني) وقد قبض عليه قادمًا من مصر في قافلة محملة بالذخائر ومتجهة إلى كردفان، واتهم بالتجسس رغم ادعائه التجارة.

ويشبه كتاب سلاطين كذلك حرب النهر لونستون تشرشل الذي وثَّق نِهاية المهدية، وعناوين أخرى، ويرتبط اسم الكتاب بقصة سيفه الذي فقده في دارفور واشتراه تاجر في أسوان ثم أهدي لسلاطين في لندن بعد فراره.

وذكر سلاطين داخل الكتاب قصة سيفه قائلا "إن فقد السلاح في مجاهل دارفور ثم الحصول عليه في قلب لندن أمر مدهش جدا، وهو فوق المصادفات العادية؛ وإذن لا قنوط ولا يأس؛ فقد ترجع الأقاليم التي فقدت إلى يدي صاحبها القديم رجوعا لم يكن يخطر على بال".

وتذهب أغلب الآراء إلى أن الجنرال ريجنالد ونجت -الذي كان حينها ضابط مخابرات بريطاني قبل أن يصبح لاحقاً مندوبًا ساميًا لبريطانيا في مصر- هو من أوعز لسلاطين بكتابة ما شاهده وعايشه في شكل معلومات ليتم استغلالها كوثائق بالجيش الإنجليزي، فأخذ ونجت هذه المعلومات وصنع منها الكتاب باللغة الإنجليزية.

ويقول د. عبد الله علي إبراهيم للجزيرة نت "معروف أن سلاطين هو المؤلف الثاني لكتابه وأن المؤلف الأول هو ونجت ومخابرات الجيش المصري التي كانت تروِّج بروباغندا (دعاية) لتهيئة الأذهان في إنجلترا للغزو انتقامًا لغردون" الحاكم العام البريطاني الذي قتل في الخرطوم.

من ردولف لعبد القادر
ولد رودلف أنتون كارل فون سلاطين (ضابطٌ نمساويٌّ) سنة 1857 في فينا ووصل مغامرا إلى حرِّ السُّودان أسوة بأوروبيين تركوا بلدانهم لصناعة أمجاد وحيازة ما يحوزه المستعمرون.

وقدِم إلى مصر سنة 1878، ودخل في خدمتها بعد قدومه السُّودان، عين مفتشًا ماليًّا فحاكمًا لدارفور إلى أن استسلم لقوات المهدي، وفي العام 1895، هرب من أسر خليفة المهدي إلى مصر واشترك في حملة الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري) في معارك دنقلا وأم درمان وظلَّ سلاطين موظفًا في حكومة السُّودان (الإنجليزية المصرية) بين سنة 1900 و1914. 

واشتهر سلاطين بذكائه الذي مازجه كثير من الخبث والتلون والتملق أحيانًا، ففي حقبته الأولى قبل أن تصبح دارفور تابعة للدولة المهدية أعلن سلاطين إسلامه في محاولة لكسب ضباطه وجنوده بعد انخفاض معنوياتهم.

ويقول سلاطين في كتابه "استقر رأيي على أن أظهر في اليوم التالي أمام الجيش كأني مسلم وكنت على تمام المعرفة بأني في اتخاذي هذا الموقف سيلومني البعض، ومع ذلك قد عزمت على إمضاء نيتي لكي أقطع على الدساسين حبل دسائسهم وتتاح لي الفرصة لأن احتفظ بالمديرية التي عهدتها إليَّ الحكومة المصرية".

وهكذا تحول ردولف إلى عبد القادر معلنًا ذلك أمام جنوده وأعيان المنطقة، وذبح عبد القادر الذبائح فرحًا ليكمل التمويه إلا أنه لم يفلح رغم ذلك في الاحتفاظ بدارفور إذ اضطر للتسليم وذهب لمقابلة محمد أحمد المهدي بكردفان، وزاد في ذلك فادعى إيمانه بمهدية المهدي وتشوقه للقائه وخليفته حتى أنه قال للخليفة حين التقاه أول مرة "شكرًا لله الذي أبقاني حتى أرى هذا اليوم، لقد ذهب عني تعبي عندما رأيت طلعتك".

رودلف أنتون كارل فون المعروف بإسم سلاطين باشا (ويكي كومونز)

وحُظي سلاطين بمكانة لم تدم بفعل استخبارات الخليفة التي علمت بتواصله مع غردون، وانتهى به الأمر سجينًا إلى أن فرَّ.

الحاجة فاطمة
مرت حياة سلاطين بتقلبات كثيرة منذ أن وَفَدَ للمهدي وأعلن إيمانه بمهديته، فمن الإكرام إلى الشك إلى السِّجن الاحترازي ثم إلى السِّجن العقابي والفرار، وسجل كل ذلك إضافة إلى مشاهد عامة وصور للحياة لم يكن جزءًا منها، ولا شك أن الأسر ترك أثرًا نفسيًّا بالغًا خاصة بعد ظهور الطريقة العقابية المسماة "الحاجة فاطمة" في المشهد.

"في اليوم الخامس لسقوط الخرطوم رأيت ثلة من الجنود أمام خيمتي الممزقة فوضعوني على حمار وأنا في قيودي وساروا بي إلى السِّجن العمومي وهناك طوقوا حولي عمودًا وحلقة من الحديد يبلغ وزنهما 18 رطلًا وكان هذا القيد الجديد يسمى (الحاجة فاطمة) وكان لا يقيد به إلا من كانت جناياتهم خطيرة أو من يوصفون بالعناد من المسجونين" وسبب تلك الأثقال منشور لغردون وزِّع في الخرطوم وفيه ذكر لمعلومات أفاد بها سلاطين ووقع المنشور في يد المهدي وخليفته.

كتابة التاريخ
زودت كُتب المذكرات الباحثين والمهتمين بالتاريخ بمعلومات كثيرة وروت أحداثًا عايشها الكتاب، لكن تبقى مسألة الموثوقية في المعلومة وانتفاء الغرض مهمة جدًّا والحياد الذي قد ينفي وجوده في الكتابة، إلا أن د. إبراهيم أبو شوك أستاذ التاريخ بجامعة قطر يؤكد للجزيرة نت وجود المؤرخ المحايد. ويضيف "المؤرخ باحث موضوعي، والموضوعية تقوم على المنهج الذي يتبناه الباحث من حيث الأسئلة التي يطرحها والفرضيات وأدوات البحث والتحليل ليصل إلى نتيجة معينة أو سردية تاريخية معلومة".

ويتابع مستدركاً "أما كتابة المذكرات فهي ضرب آخر كما فعل سلاطين وبابكر بدري فهولاء ليسوا مؤرخين". 

ورغم أنهم ليسوا مؤرخين -بحسب أبو شوك- فإن ما كتبوه يستند إليه كثيرون في أبحاثهم وتكوين آرائهم. ويقول الباحث والمهتم بالسُّودانيات د. خالد محمد فرح "ليس هنالك بأس من اعتماد المذكرات، والسير الذاتية مصادر للمعلومات التاريخية، مع الحذر والتحفظ لأن هذه قد تكون مظنة الذاتية".

ويضيف "ولذلك ينبغي مضاهاة ما يرد في المذكرات مع المعلومات النظيرة في المصادر الأخرى، وخصوصًا الوثائق ذات الصلة.. فالحكمة تقتضي عدم رفضها وإطراحها بالكلية.. سلاطين لم يدع أنه يكتب كتابًا أكاديميًّا في التاريخ وإنما كتب عن أشياء شاهدها أو حدثت له أو عاصرها أو رويت له عن السُّودان أواخر القرن 19".

ولا ينفي د. فرح إمكانية أن يكون سلاطين باشا قد تزيَّد في أشياء، أو كذب أو دلس لهذا الغرض أو ذاك، ولكن "هذا لا ينفي أن ما كتبه يحتوي على معلومات تاريخية قابلة للتأكيد، أو الدحض عند مقابلتها بما في المصادر المعاصرة".

فخاخ الكتابة
ما بين الكتابة الأكاديمية والمذكرات فروقات بعضها مرتبط بالأسلوب، ومرامي الكاتب، واللغة التي تحمل على عاتقها هذا المحتوى وتختار طرق إيصاله. ويقول الكاتب الواثق يونس "المذكرات قريبة من الكتابة الأدبية وفيها الذاتية والأسلوب الانتقائي الذي قد يُغيب بعض الأحداث المهمة إما لأنها لا تهم الكاتب وأحيانًا لمخالفتها غرض الكتابة".

ويضيف "لغة الأكاديمي مطلوب منها الوضوح والإفهام بينما قد يذهب كاتب المذكرات للإيهام مستندًا إلى اللغة وانزياحاتها، وقد يفلح في تغيير الصورة دون أن يزيف الحقائق".

ويحاول سلاطين في خاتمة كتاب "في السَّيف والنار" تحريك الأطماع الأوروبية، ويخالف ما حاول رسمه من إنسانية وعطف عندما يصف سكان أفريقيا الوسطى قائلاً "وقد بدأ رجال القبائل المتوحشة الذين يعتبرون أقرب إلى الحيوان منهم إلى الإنسان يدركون حاجياتهم الضرورية وأن هناك أناسًا ذوي مراتب سامية في أنفسهم".

ويفضح دوافعه للكتابة إغراء لمصر -الواقعة حينها تحت الاحتلال البريطاني- باحتلال السُّودان في أكثر من موضع في خاتمة الكتاب، معتبراً أنها صاحبة الحق الشرعي في حكم السُّودان.

ولا ينسى سلاطين أن يصف الخليفة عبد الله التعايشي (خليفة محمد أحمد المهدي زعيم الثورة المهدية بالسودان الذي أعقب المهدي في حكم البلاد بعد وفاته) بخصمه اللدود، ويبرر ذلك قائلاً "أن تكون لتفاصيلي أهمية كبرى عندما يجدُّ وقت العمل، وعندما يبحث العاملون بحثًا جديًّا في خلاص المغلوبين على أمرهم، وعندما يسمح الله باستخدام معلوماتي ومجهوداتي في سبيل إبادة الظلم الدرويشي، وإزالة حكم سيدي الجائر وعدوي عبد الله، الذي سيظل ألد أعدائي طول الحياة التي أحياها في الدنيا".

وقد لا يعد الأمر حينها ولذاك الغرض فخًّا، لكنه بعد تقادم الأزمنة سيشكل آراءً مختلفة في موثوقية السَّيف والنار.

المصدر : الجزيرة