كتاب جديد يعيد بناء المفاهيم في النظام المعرفي.. بنيات الجابري للعقل العربي غير مكتملة

 عبد الحكيم أحمين

يظهر أن فعل النقد والخلخلة لبنية العقل العربي الذي قام به المفكر العربي الراحل محمد عابد الجابري وقسمه إلى العقل البياني والعرفاني والبرهاني امتد إلى هذه البنيات الثلاث نفسها، حيث أضاف إليها الدكتور كمال القصيير قسما رابعا.

ففي كتابه "بناء المفاهيم في النظام المعرفي الإسلامي.. بحث في محاضن المفاهيم" الصادر عن دار الأمان بالمغرب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي يحاول القصيير الوقوف على أهم العناصر والأبعاد التي تفسر كيفية نشوء المفاهيم في النظام المعرفي الإسلامي، والسياق الذي تمت فيه هذه العملية المعقدة، وذلك بالاستفادة من تقسيم محمد عابد الجابري لمكونات هذا النظام المعرفي (البيان والعرفان والبرهان).

غير أن الكاتب يعتبر تقسيم الجابري لهذه المكونات أو الدوائر الثلاث غير مكتمل لاستيعاب محاضن المفاهيم في الفكر العربي الإسلامي، ولهذا يضيف دائرة رابعة أطلق عليها اسم "دائرة التلاقي المفاهيمي" التي ترصد مختلف مظاهر التلاقي والاشتراك المفاهيمي بين مختلف الدوائر.

و"التلاقي المفاهيمي" هو تقسيم يعبر في أحد مستوياته عن تطور المعرفة الإسلامية، ويعطي صورا من صور التداخل بين الرؤى والتصورات"، وهذا ما تكشفه ظاهرة التصوف الفلسفي الذي يعكس رؤية لمزج العرفان بالبرهان، كما تكشفه محطات تاريخية جسدها علماء كبار مثل الغزالي وابن تيمية والشاطبي ممن تجمعت لديهم خيوط الدوائر المفاهيمية المتباينة ليصنعوا مقاربات معرفية مغايرة.

الدوائر الأربع
ويسعى الكتاب إلى البحث في محاضن المفاهيم وفق الدوائر الأربع لبنية العقل الإسلامي تلك، وتناول خصائص تلك الدوائر، خاصة ما يتصل بأصالة المفاهيم أو استيرادها من جهة، وعلاقة المفاهيم باللغة والنص من جهة أخرى، وهذه الإضافة تعتبر مسألة أساسية من الناحية المنهجية ومهمة لبيان مصادر بناء المفاهيم في الفكر العربي الإسلامي، ولأن أحد أسباب الاضطرابات في الفكر والرؤية يرجع إلى إشكالية استيراد المفاهيم واستنباتها في بيئة مغايرة.

 محمد عابد الجابري (مواقع التواصل)

وتنبع أهمية المفاهيم وخطورتها في آن واحد معا من ارتباطها بالتصورات العلمية وصياغتها للقيم الاجتماعية التي تشكل النموذج المعرفي والمجتمعي، حيث إنها تعتبر أهم مجالات تنظيم العلاقات الإنسانية والصراع الحضاري والثقافي في كل الأزمنة، وتمثل أوعية تتجسد فيها ميزات وخصائص الكائنات الحية وما يعتريها من أحوال الولادة والتطور والشيخوخة والموت. 

وإذا كان من سمات المفاهيم أنها ذات طبيعة صراعية وتدافعية مع غيرها في ثقافات أخرى فإن الكثير من المفاهيم في الحضارة العربية باتت في حاجة إلى إعادة بنائها بما يجعلها تستعيد فعاليتها، ولا يتم ذلك إلا بتحقيق مناطها، خاصة أن الكثير من المفاهيم تكاد تتلاشى معانيها لدى الأجيال المعاصرة، مثل مفهوم أهل السنة والجماعة وغيره.

فهذا المفهوم تحول من وظيفته التوحيدية التي تتم من خلال عنصريْ حفظ تماسك البنية الاجتماعية وحفظ تماسكه المعرفي إلى أداة للتصنيف الطائفي، ذلك أن مفهوم الجماعة لا يستغني وظيفيا عن مفهوم السنة، مما يجعل كليهما مفتقرا إلى الشرعية والفاعلية والتأثير في حال انفراده، فلا سنة من دون جماعة، ولا جماعة من دون سنة.

وإذا علمنا الوظيفة التوحيدية لمفهوم أهل السنة والجماعة -الذي صار غائبا عن الجماهير- أدركنا خطورة جعله أداة للتصنيف حسب الطائفة أو المدرسة أو المذهب بعد أن كان معبرا عن وحدة الأمة.

ثم إن الترجمة ساهمت هي الأخرى في إشكالية تبيئة المفاهيم، ورغم أنها فتحت أبواب الاستفادة من ثقافات ومفاهيم وتصورات وأفكار الحضارات الأخرى فإن الإشكال بقي مطروحا بشأن كيفية الاستفادة من الترجمة كأداة لانتقال العلوم، وكيفية التحكم في المصطلحات وخلفياتها الفكرية والثقافية، وإمكانية الفصل بين الاثنين.

ترجمة المصطلحات
ولا تزال إشكالية ترجمة المصطلحات مستمرة إلى الآن لأن نحتها آتٍ من خارج دائرة المعرفة العربية الإسلامية، ولأن المحاولات العربية المعاصرة تساهم أيضا في مزيد من تعقيد وتأصيل بناء المصطلحات والمفاهيم بدل مزيد من التوضيح والسهولة في بناء المصطلح.

كما أدت عملية "صيانة البناء المفاهيمي" ومستوياتها من نقد وهدم وإعادة بناء إلى سيولة مفاهيمية وتدفقها ودخولها إلى حيز الاستعمال.

بالمقابل، ساهمت هذه العلمية في توثيق المفاهيم وعناصرها ومصادرها وتاريخها وطبيعة انتماءاتها وتأثيراتها المجتمعية والمعرفية.

إضافة إلى ذلك، عملت مسألة وضع تعريف أو حد للمصطلح على بروز الحاجة إلى ضبط المفاهيم وحدودها، وذلك بهدف حماية الأفكار والمفاهيم من فوضى واضطراب الاستعمال والتعريف داخل العلوم خاصة.

وفي هذه المسألة تباينت آراء العلماء واختلفت، وتأثرت المفاهيم أيضا بمسألة أخرى هي الواقع، ذلك أن المفاهيم أداة من أدوات تغيير الواقع، كما أن الأخير تعبير وانعكاس للمفاهيم أيضا.

ويرى الدكتور كمال القصيير أن كثيرا من المفاهيم فقدت فاعليتها العلمية وتحولت إلى جزء من تاريخ للعلوم، إلا أنها تبقى مهمة لكونها تمثل صورا لمسار نشوء وتطور المفاهيم داخل بنية العقل الإسلامي، وقد بحث بالتفصيل مفاهيم دائرة البيان ومفاهيم العرفان ومفاهيم البرهان، ثم قدم أدلته على استدراكه على الجابر بدائرة التلاقي المفاهيمي.

المصدر : الجزيرة