بالفيديو.. أيمن العتوم يروي للجزيرة نت حكاية "يوم مشهود" وقصص الحب والسجن والثورة

حاوره/أيمن فضيلات-عمّان

في زاوية من زوايا مقهى قرطبة العمّاني بشارع الصحافة يقضي الشاعر أيمن العتوم ساعاته متنقلا بين أوراق الكتب وأقلامه ودفاتره، هنا يدون ملاحظة، وهنا يصوغ فكرة قبل هروبها.

في كل عام ينشر العتوم كتابين، وهذا سر عمله، واحد يشهره في معرض عمان الدولي للكتاب، والآخر في القاهرة، ثم يطوفان في الدول العربية بين المريدين لكتبه والقراء.

آخر رواياته صدرت في 26 سبتمبر/أيلول الماضي بعنوان "يوم مشهود"، بطل القصة فيها قائد معركة الكرامة الخالدة التي شكلت أول انتصار أردني على المحتل الإسرائيلي.

في الجلوس مع العتوم متعة، فتارة يسمعك شعرا منظوما بصدر وعجز له وزن وقافية يزينانه، وتارة يسمعك نثرا محبوكا بوزن وقافية كأنه شعر، يصف نفسه بالشاعر رغم أن رواياته أكثر من شعره، فقد صدرت له 12 رواية، وخمسة دواوين شعرية.

يعتبر ديوانه الشعري "نبوءات الجائعين" من أشهر دواوينه، خاصة أن قصائده الشعرية في هذا الديوان كتبت داخل السجن، وصدر الديوان بعد روايته المثيرة للجدل "يا صاحبي السجن"، ويقول في إحدى قصائده: 

من عتمة السجن، بل من نور إيماني         ومن دمائي، بل من نزف أوطاني

كتبت شعري يا أمي على ورق                 أعددته في غد الأيـــام أكفـــــاني

يذكر أن الشاعر والروائي أيمن العتوم مولود في الأردن عام 1972 وحاصل على الدكتوراه في اللغة العربية من الجامعة الأردنية عام 2007، صدرت له 12 رواية، منها "يا صاحبي السجن"، و"يسمعون حسيسها"، و"ذائقة الموت"، و"حديث الجنود"، و"كلمة الله"، و"نفر من الجن"، بالإضافة إلى خمسة دواوين شعرية ،منها "نبوءات الجائعين" 2012، و"قلبي عليك حبيبتي" 2013، و"خذني إلى المسجد الأقصى" 2013. 

 العتوم روى في "يوم مشهود" حكاية القائد الأردني المنتصر مشهور الجازي على المحتل الإسرائيلي (الجزيرة)

والتقت الجزيرة نت العتوم وأجرت معه الحوار الذي اعتبر فيه أننا نعيش في عصر الرواية، لأنها سهل ممتد وانزواء الشعر للنخبة.

وقال إنه يكتب للمقاومة والثورة لأنهما يعبران عن ذاته الرافضة للظلم والطغيان، بينما كتب للغزل والحب، ووصف نفسه بأنه "انسان عاشق مذبوح من الوريد للوريد".

وقال العتوم إن السجن فتح له الباب على المطلق، والنافذة على الفضاء الفسيح، وروى في "يوم مشهود" رواية القائد المنتصر مشهور الجازي على العدو المحتل، فإلى الحوار:

النشأة ونقطة التحول
من بيت معروف بالأدب ووالد شاعر وعالم باللغة، ومن دراسة الهندسة إلى اللغة العربية، ثم تجربة عام في السجن "معتقل سياسي"، من أين بدأ الشاعر أيمن العتوم حياته الأدبية، وما هي نقطة التحول المهمة في حياته؟
أنا نشأت بين أحضان الكتب، وترعرعت في بيئة محبة للأدب، والدي الدكتور علي العتوم عالم في اللغة والنحو والشعر الجاهلي، وبين هذه الأزاهير تنقلت في طفولتي وصباي.

عندما كبرت حدثت تحولات كثيرة وكبيرة في حياتي، أهمها السجن الذي فتح الباب على المطلق، والنافذة على الفضاء الفسيح، إذ في السجن عرفت كيف أرتد إلى ذاتي فأعرفها وأحاور نفسي وكيف أقبل الآخر.  

رأيت ظلال الموت المرتسمة على وجوه المحكومين بالإعدام، كان السجن نقطة انطلاقية نحو آفاق أكثر رحابة.

أما نقطة التحول الثانية فكانت دراستي للغة العربية بعد دراسة الهندسة، العربية ساحة، لا يمكن أن يتقدم على العربية شيء، لا الهندسة ولا الطب ولا العلوم الإنسانية كلها، فالعربية هي اللغة الحية الخالدة، فقدمتها على كل شيء.

أما نقطة التحول الأخرى فهي علاقاتي مع الجمهور العريض عبر الوطن العربي من شرقه الى غربه، وهذه العلاقة أعطتني فكرة أن الجمهور العربي يقرأ إذا وجد شيئا يمس ذاته وهمومه وأحلامه وآماله وآلامه، لذلك انطلقت من هذه النقطة لأزداد انتشارا واتساعا عبر الوطن العربي.

أحدث الروايات
آخر روايات العتوم "يوم مشهود" الصادرة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي من هذا العام، ضعنا في قصة الرواية، ومن هو بطلها؟
رواية "يوم مشهود" هي الرواية الـ12 في ترتيب رواياتي، وتتحدث عن بطلها القائد العسكري مشهور حديثة الجازي الذي ولد عام 1928، خاض أهم حروبنا مع العدو الصهيوني عام 1948 ما تعرف بالنكبة الفلسطينية.

وكان شاهدا على حرب عام 1956، وحرب عام 1967 "نكسة حزيران"، وقائد معركة عام 1968 التي انتصر فيها الجيش الأردني على العدو الإسرائيلي، وكان واسطة العقد في أحداث السبعين، فكان شاهدا على العصر بشكل حقيقي.

"يوم مشهود" لأيمن العتوم (الجزيرة)

الرواية تتحدث عن هذا الرجل، بطولاته وشهامته وحياته وبدايته كبدوي في الصحراء، كيف صقلته الصحراء، وكيف جعلت منه إنسانا محبا لوطنه معطاء مدافعا بكل ما يستطيع.

والرواية تتوقف بشكل جلي عند معركة الكرامة عام 1968، كيف استطاع أن يحول الهزيمة إلى نصر، والذل إلى عزة من خلال تدريبه جيشه ورفاقه على السلاح، ومن خلال إرادته الحرة باتخاذ قرار الانتصار دون الرجوع لمن يضغط عليه، وكان قرارا تاريخيا بأن تستمر المعركة دون القبول بالهدنة مع العدو الصهيوني حتى تحقق النصر في معركة الكرامة الخالدة.

والرواية دخلت للأردن في سبتمبر/أيلول الماضي خلال معرض عمان للكتاب الأردني وانتشرت، لكن بعد ذلك تم وقفها ومنع تداولها في الأردن، وأعيدت لمصدر طباعتها في مصر.

والرواية جزء أصيل من تاريخنا المشرف نحن الأردنيين ومن عروبتنا، وقيمتها من أن الإنسان إذا امتلك الإرادة الحرة فإنه يستطيع أن يقدم ويحقق الانتصار في شتى الميادين.

شاعر أم روائي
غلب على الإنتاج الأدبي للعتوم الروايات، ومع ذلك يعرف على نفسه بأنه شاعر، هل يموت الشعر ويتحول إلى نص النخبة بينما تنتشر الرواية وتكتسب جمهورا متزايدا؟
نحن نعيش في عصر الرواية وانزواء الشعر، لكن الرواية فيها شعر أيضا، رواياتي فيها شعرية، وكتبت شعرا داخل الروايات، وأصوغ النثر بالشعر بقافية ووزن، إضافة إلى الاستشهاد بالشعر في كافة رواياتي.

وأقدم نفسي على أنني شاعر أكثر من روائي، والشعر عندي لم يمت، ولدي خمسة دواوين شعرية لكنها غير مشهورة نتيجة قلة الإقبال على الشعر.

والشعر ميزته الاعتماد على التكثيف، فالبيت الواحد قد تنثره على فصل في الرواية، والقراء لا يحبون التكثيف، لأن الشعر للنخبة، فالرواية سهل ممتد، بينما الشعر جبل صعب.

ودائما أضرب المثال بين نزار قباني ورضوى عاشور، قباني لخص غرناطة في عشرين بيتا عندما قال:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا    ما أطيب اللقيا بلا ميعاد

في حين احتاجت عاشور الروائية المصرية المعروفة إلى ثلاثية من 600 صفحة للحديث عن غرناطة.

لماذا لم ينشر العتوم أعماله المسرحية؟ أو لماذا توقف عن كتابة النص المسرحي؟
لي ثلاثة أعمال مسرحية هي "مشردون" مسرحية شعرية، و"مملكة الشعر" عن المتنبي شعرية نثرية، ومسرحية "مدينة لا تموت" عن مدينة القدس وأحوال أهلها المقدسيين، وللأسف لم تنشر.

والسبب في ذلك أنني لا أقدم نفسي كاتبا مسرحيا، فأنا لا أتقدم على توفيق الحكيم وسعد الله ونوس وغيرهما، ولكني قد أحاول مستقبلا.

الطابع الإسلامي 
غلب على أدب أيمن العتوم الطابع الإسلامي، ويختار عناوين رواياته من آيات القرآن الكريم، هل يستهدف العتوم في كتاباته جمهورا إسلاميا معينا، أم أنه يتوجه بكتاباته لجميع القراء؟
ليس لدي جمهور معين إسلامي أو يساري أو شعبوي، أنا أكتب لكل الناس، أعالج هموم الناس والقضايا الإنسانية، أكتب عن قيم خالدة، عندما أتحدث عن انحباس الحرية في رواياتي عن السجن فهذا يهم أي أحد، فلا يوجد من يرضى بحبس حريته.

أنا منفتح على الآخر، ففي طريقك إلى الله يجب عليك أن تعرف الشيطان لأن ذلك سيدلك على الله، ولا أقدم نفسي بأنني أديب إسلامي، لأن مقابل ذلك سيكون هناك أدب كفري، ومتى كان الأدب دينا؟ فالأدب قيم ولغة وصورة وخيال.

رواية "يا صاحبي السجن" (الجزيرة)

الحب والغزل والعشق.. أين يجد القارئ ذلك في روايات العتوم؟
أنا كتبت في الحب والغزل والعشق، أنا إنسان عاشق مذبوح من الوريد للوريد، وكتبت في روايتي "يا صاحبي السجن": بالعشق تدور الكواكب حول مداراتها ومراكزها، ولولا العشق لاصطدمت الكواكب بعضها ببعض، وبالعشق يسير الماء بالنهر، ولولا العشق لجف الماء من النهر.

رواية "كلمة الله" عنوانها حوار الأديان، لكن مضمونها قصة حب حقيقية في الجامعة بين فتاة مسيحية ومسلم متنور، استطاع أن يقنعها بالإسلام، ولكن كانت النهاية مأساوية بعدما قتلها أبوها. 

ورواية "ذائقة الموت" قصة العشق المؤدي للموت، وتتحدث عن فلسفة الحب والموت والحرية بين الشاب واثق، ومحبوبته منى.

النقد الأدبي
أين النقد الأدبي لأعمال الروائي أيمن العتوم؟
هناك نحو ثلاثين رسالة نقدية على مستوى الوطن العربي درست أعمال أيمن العتوم، سواء الشعر أو الروايات، وآخرها رسالة ماجستير في السعودية الشهر الماضي.

وهناك كتاب نقدي بعنوان "وهج القناديل" للدكتور صديق بشير نصر من ليبيا، درس رواياتي وتعمق في روايتَيْ "خاوية"، و"يا صاحبي السجن"، وتعمق في رواية  "تسعة عشر" متناولا الفلسفة العميقة.

وأثبت أنها رواية فلسفية لما بعد الموت، وهو ما ذهب إليه دانتي في "الكوميديا الإلهية"، وأبو علاء المعري في "فساد الغفران"، وجون ميلتون في "الفردوس المفقود"، وتخيل الحياة ما بعد الموت.      

غلاف رواية "يسمعون حسيسها" (الجزيرة)

هل لديك نية التوجه للنقد الأدبي؟
لدي الكثير من الأعمال النقدية تصل لأكثر من خمسين دراسة ونظرية وعملا نقديا، لو جمعتها لصارت كتابا، لكني لم أنشرها، لأن النقد لدينا باهت، والاحتفاء بالنقد أبهت.

والنقد حالة صحية من تقبل الآخر، لكن للأسف سياسة تقبل الآخر غير موجودة لدينا.

المقاومة.. الحاضر الدائم
المقاومة والثورة حاضرتان دائما في أدبيات العتوم رغم خفوت الأصوات الكاتبة لهما، لماذا تصر على استدعاء الثورة والمقاومة في الروايات؟
البوصلة لا تتغير والمبدأ لا يتجزأ، فالصلح مع اليهود في أدبياتي محرم قبل معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية وبعدها، فالمبدأ لا يتجزأ، وأنا كتبت رواية "اسمه أحمد" عن البطل أحمد الدقامسة كمثال على مبدأ المقاومة.

وإياد أسعد في رواية "يسمعون حسيسها" ومبدأ مقارعة الظلم وعدم الرضوخ له، والقائد مشهور حديثه الجازي في "يوم مشهود" يوم الإصرار على الانتصار من أجل فكرة مقاومة المحتل التي يحملها.

لذلك لا بد من إبقاء جذوة المقاومة للظلم، ومبدأ الثورة على الطغيان حاضر دائما.

المصدر : الجزيرة