2.6 مليون زائر لمعرض الكتاب.. هل تعكس الأرقام حالة القراءة بالجزائر؟

أكثر من ألف دار نشر وطنية وأجنبية تعرض ثلاثمئة ألف عنوان بالمعرض الدولي للكتاب (الجزيرة)
أكثر من ألف دار نشر وطنية وأجنبية تعرض ثلاثمئة ألف عنوان بالمعرض الدولي للكتاب (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

تعيش الجزائر هذه الأيام فعاليات أكبر حدث ثقافي وتجاري سنويّ في البلاد وهو المعرض الدولي للكتاب، حيث يشدّ إليه ملايين الزوّار من مختلف الفئات والشرائح.

وتوافد الموسم الماضي أكثر من مليونيْن وستمئة ألف زائر، الأمر الذي جعله ثالث معرض عالميّا من حيث الإقبال، بمشاركة 1018 دار نشر، استفادت من تحويلات بنحو خمسة ملايين دولار.

ويشارك حاليا في الدورة 24 ما يزيد على 1030 ناشرا من أربعين دولة، يعرضون على زبائنهم ثلاثمئة ألف عنوان.

غير أن تلك الأرقام الكميّة الهائلة لا تزال تطرح تساؤلات الوسط الثقافي، عن إشكالية التناقض بين معدّل التدفق الجماهيري على المعرض ومستوى القراءة المتدني في البلاد.

وتشير التحقيقات الميدانية خلال السنوات الأخيرة إلى وجود "أزمة قراءة" كونها لم تتعدّ 6.8% نهاية 2017، وقد وصلت نسبة الجزائريين الذين لا يقرءون كلياً إلى 56.86%، وهو ما يعادل عشرين مليون مواطن.

وظلّت الإشكاليّة تطرح أسئلة فرعية كثيرة حول "أزمة الكتاب، القارئ، النوعية، اللغة، أزمة الأسعار" إضافة إلى طرح ظاهرة الوسائط الإعلامية وحتّى أزمة الأمية وأثرها على القراءة، لتبقى آفاقها على عاتق الجهات الرسمية في تشجيع الكتاب وتفعيل دور المدرسة واستعادة حيويّة المكتبات العمومية.

 معرض الجزائر الثالث عالميا من حيث الإقبال (الجزيرة)

ميول وحاجات
في جولة ميدانية للجزيرة نت بأروقة المعرض، لفت انتباهنا حمل عشرات الزوار لأكياس من الكتب، مما أثار لدينا فضولا صحفيّا لمعرفة توجهات هؤلاء الزبائن في عالم القراءة.

وقال إسلام شيباني، وهو طالب ماجستير بقسم العلوم السياسية بجامعة الجزائر، إنه اشترى خمسة عناوين حول حراك 22 فبراير، في محاولة لمقاربة الانتفاضة الشعبية من منظور سوسيولوجي وأكاديمي.

ومثله السعيدي المدرّس الجامعي الذي فضّل بحكم حقله البحثي اقتناء دراسات جديدة حول تحليل واستشراف الأوضاع العربية والإقليمية. 

كما قابلنا كثيرًا من المتجولين في المعرض يحملون أسفارا من كتب التراث، في مختلف العلوم الدينية والشرعية والتاريخية.

أما أحلام رميتة التي جاءت برفقة ثلاثة من أطفالها، فقد فرضوا عليها شراء كتب شبه مدرسية لدعم تحصيلهم التعليمي، واختارت هي كتبًا متخصصة في فنون الطبخ وصناعة الحلويات. 

 جعيجع: الكتاب الديني في الطليعة متبوعا بالعناوين الثقافية والسياسية (الجزيرة) 

كتب الطليعة
لمزيد من الاستطلاع حول ميول القارئ، سألنا عامر جعيجع مدير الخلدونية التي تعد واحدة من أكبر دور النشر بالجزائر، حيث أكد أنّ الجزائريين يُقبلون أساسًا على الكتاب الديني بكل أبعاده الفكرية والسلفية والحركية والعلميّة، من خلال عدد معتبر من علماء الدين والمفكرين والمنظرين والمجتهدين في الوطن العربي والإسلامي.

وأوضح أنّ المنتج الديني يتصدر الطليعة، ويُعزَى ذلك لطبيعة المجتمع من وجهة نظره. ثم يأتي العنوان الثقافي، وخاصة الروايات.

وأرجع ذلك إلى ملء الفراغ الذي يعيشه المواطن والأزمات التي تحيط به، وأحيانا لمواجهة الوسائط الاجتماعية، ناهيك عن بروز بعض الروايات التي ساهمت مواقع التواصل في التعريف بها وإبرازها للقارئ، وهو ما يزيد الاهتمام بها والشوق إليها، وفق تقديره.

ويحتلّ الكتاب السياسي المرتبة الثالثة، باعتباره يصنع الحدث من حين لآخر، من خلال ما يسمى الربيع العربي أو الأزمات الدولية والمعارضات السياسية والتحولات الإقليمية، على حد تعبيره.

وشدد جعيجع على أنّ معايير القراءة في الجزائر "لم تحظ بالدراسة كما ينبغي من قبل المؤسسات ومخابر البحث والمختصين ومراكز سبر الآراء". 

بكيس: رهانات جديدة فرضت على المجتمع الاهتمام بالقراءة (الجزيرة) 

رهانات جديدة
على خلاف المتشائمين من تدني القراءة، يعتقد نور الدين بكيس المؤلف والباحث في علم الاجتماع أنها تتزايد بشكل كبير تجاوبًا مع الرهانات المطروحة على المجتمع.

وأوضح بهذا الصدد أنّ عدد حالات الزواج سنويا لا يقل عن 350 ألف حالة، مما يعني نشوء ما يزيد على مليوني عائلة بخصائص جديدة كل ست سنوات، أهمها استهداف النجاح برفع المستوى الدراسي للأبناء إلى أعلى درجة ممكنة، وهو ما يفسر تنامي الدروس الخصوصية. 

وهذا التوجه يبعث بالضرورة القراءة المتخصصة، حيث نرى -كما يقول بكيس للجزيرة نت- الأولياء في المعرض يقتنون كتبًا لأبنائهم الطلبة بمرافقتهم أو من دون حضورهم. 

وأضاف أنّ تخرج حوالي ثلاثمئة ألف طالب جامعي سنويا دون مستقبل واضح دفع أعدادا هائلة منهم للقراءة المتخصصة وغير المتخصصة، بحثا عن الذات والأدوار في منظومة تتناقص فيها حظوظ النجاح باستمرار. 

ويتغير المجتمع بسرعة قياسية -يقول بكيس- كما أن نموذج الحراك معبر عن التحولات "لذلك دخل المواطن في مرحلة إنصات وانتباه لما يجري بالبلاد مما دفع الكثير من الجزائريين للاستعانة بالمطالعة لفهم سياقات الأحداث".

ارتفاع القراءة
من جهة أخرى، يعدّ المعرض الدولي محطة لاقتناء الكتب السنوية، أي أن عديد الزائرين لا يراهنون على شرائها في سائر الأيام، بل يوثقون العناوين ودور النشر، ثم يقومون بتوزيع التصفّح على طول العام. 

وباعتماد مقاييس القراءة -يقول بكّيس- فإن غالبية الجزائريين يقرؤون القرآن على الأقل مرة في السنة، وهذا يعني ارتفاع نسبة القراءة، متسائلاً "لماذا نعتمد الروايات في نسب القراءة بالمجتمعات الغربية ولا نحتسب قراءة القرآن والسيرة والأحاديث النبوية والأدعية في تحديد منسوبنا للمطالعة؟".

وختم بالقول إنّ شبكات التواصل الاجتماعي والوسائط المعرفية الإلكترونية أصبحت تتيح تلبية الحاجة الوظيفية للمعلومة دون اللجوء للمطالعة التقليدية، وبالتالي صار معدل القراءة عمليّا غير قابل للقياس بناء على اقتناء الكتاب الورقي وحده.

المصدر : الجزيرة