العراقيون يودعون أحد الحناجر الذهبية.. القارئ وليد الفلوجي

أصبح القارئ وليد إبراهيم أيقونة بسبب شجن صوته المتميز بالطور العراقي (الجزيرة)
أصبح القارئ وليد إبراهيم أيقونة بسبب شجن صوته المتميز بالطور العراقي (الجزيرة)

عماد الشمري-الأنبار

قد يأخذ الله منك أشياء ثمينة فيعوضك بأثمن منها، وهو ما ترجمته سيرة القارئ الشيخ وليد إبراهيم الفلوجي، حين خسر بصره ففقد رؤية الناس لكنهم رأوه كبيرا، فعوضه الله بأن ينال رفعة في نفوس الآخرين عوضته النظر للدنيا ومن فيها بحنجرة أدمنت تلاوة القرآن فخشعت له قلوب الآخرين.

النشأة والمرض
منذ الرابعة من عمره، أصيب بمرض الرمد الصديدي الذي اجتاح مدينة الرمادي حينها، ليفقد بصره سنة 1945، فكانت بداية مسيرة مؤلمة؛ هكذا بدأ الدكتور ناظم إبراهيم -الأخ الأصغر للقارئ وليد- سرد طفولته في حديثه للجزيرة نت.

يضيف ناظم: ولد الشيخ في مدينة الرمادي بمنطقة العزيزية عام 1941، وفي صباه ألحقه والدي بمعهد الموسيقى للمكفوفين ببغداد عام 1953 في سن الثانية عشرة من عمره، إلا أنه بسبب صعوبة إقامته في بيت خالتي لم يدرس سوى سنة واحدة ليترك بعدها المعهد عائدا إلى مدينة الرمادي.

بدايته مع القرآن
البداية التي لازمت الشيخ وليد هي النهاية ذاتها التي أحبه الناس لأجلها، فعن تقربه من القرآن يقول الدكتور ناظم إنه بعد عودة الشيخ للرمادي اتجه لحفظ القرآن، وكان يتردد لدورة تحفيظ القرآن ببيت الحاجة عفيفة محمد سعيد التيلجي بمنطقة العزيزية، قبل أن ينتقل لدورة التحفيظ عند الحاج سلمان الملا إبراهيم.

وعند سن الخامسة عشرة، درس علوم التلاوة وأكمل خلال ثلاثة أعوام حفظ القرآن على يد الحاج محمد عواد حمودي العاني في منطقة السنية المعروفة بالرمادي بالسوق القديم، ولم يقتصر الراحل على الحفظ بل واصل دراسة أحكام التلاوة والتجويد بتعمق على يد الشيخين الجليلين عبد الجليل الهيتي والقارئ عبد اللطيف العبدلي.

الشيخ وليد إبراهيم لقب بالفلوجي لكثرة قراءته في مساجد الفلوجة (الجزيرة)

ويؤكد الأستاذ سعدي إبراهيم -الأخ الأوسط للشيخ- ما رواه ناظم، مضيفا أن أخاه بدأ في سن العشرين يعرف بالقارئ وليد، من خلال قراءته للقرآن في مجالس العزاء وإمامته المصلين في جامع الرمادي القديم، وذلك قبل أن يتم تعينه من قبل الأوقاف الدينية مقرءا بجامع الرمادي الجديد المعروف بجامع الشيخ عبد الجليل، وكان ذلك في عمر الثالثة والعشرين، واستمر فيه ثلاثة أعوام كانت كافية ليكسب الشيخ حب الناس بصوته الشجي.

لم يقتصر الراحل -بحسب أخيه سعدي- على قراءة القرآن، بل اشتهر بالموشحات عبر المناقب الدينية في جوامع الرمادي وعموم محافظات العراق، مشيرا إلى أن سبب لقب الشيخ بالفلوجي جاء لكثرة ظهوره كقارئ ومنشد للموشحات في مساجد الفلوجة، إذ مرت أعوام طوال لا يكاد يغيب عن أي احتفال بمناسبة دينية كالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج ورأس السنة الهجرية.

وكان مما ساعد الشيخ على ذلك قوة ذاكرته، فقد كان يحفظ قرابة 13 ألف بيت من الشعر، حتى أصبح أيقونة يستقطبها كثيرون لإحياء تلك المناسبات وسماع شجن صوته المتميز بالطور العراقي.

محطاته في الكويت
ويروي رعد إبراهيم -وهو أحد إخوة القارئ وليد- للجزيرة نت قصة سفر الشيخ خارج البلاد، قائلا إنه بعد ثلاثة أعوام قضاها الشيخ مقرئا في جامع الرمادي الجديد، قرر ترك العراق متوجها لدولة الكويت في رمضان من عام 1967، وذلك بتشجيع من ابن خالتنا الحاج خالد عبد الرزاق، ليعين هناك بوظيفة مؤذن في جامع الوزان بمنطقة المرقاب لمدة تجاوزت أربعة أعوام، قبل انتقاله إماما لمسجد عبد المحسن المطير في ضاحية عبد الله السالم؛ وهناك بدأ حياة أخرى مع القرآن.

وعن محطات الكويت، يكمل الحديث عن سيرة الشيخ ابنه الأكبر خالد، قائلا إن حب القرآن والعمل به وتعليمه لم يدع والده مكتفيا بالتعيين، فأثناء وجوده إماما في مسجد المطير، درس لمدة ستة أعوام في معهد الإمامة والخطابة بالعاصمة الكويت، وتخرج الأول على دفعته ليعمل بعدها مدرسا للقرآن في دار القرآن الكريم بقسم النساء في ضاحية عبد الله السالم لمدة 13 عاما، إلى جانب عمله في مسجد المطير الذي استمر عشرين عاما متواصلة. 

ويختتم خالد حديثه بالقول: "مما لا يمكن كتمه ونكرانه، فضل السيد يوسف الرفاعي وزير الدولة لشؤون الأوقاف بالكويت، فقد كان له دور كبير في مساعدة والدي بما وصل إليه في محطات حياته الوظيفية والدراسية؛ فقد كان الرفاعي محبا لأبي متابعا له مع العديد من الشخصيات المرموقة التي كانت تزورنا، من أمثال وزير الصحة الكويتي عبد الرحمن العوضي وسكرتير مجلس الوزراء بالكويت الدكتور عبد العزيز العتيبي".

وبحسب رواية أخيه الدكتور ناظم، فقد تزوج الشيخ وليد في دولة الكويت مرتين، إذ ارتبط أولا بفتاة مصرية وله منها بنتان وثلاثة أبناء. وقبل أن ينفصل عنها لتسافر وتستقر في مصر، تزوج من كويتية ما زالت على ذمته وله منها ابنتان ولا تزال مقيمة في الكويت.

مقلدوه ومحبوه
وينظر منشد الشارقة حقي الحيالي إلى
الشيخ باعتباره مدرسة، لا لقراء القرآن فحسب بل لمحبي المقام من المنشدين "وأنا أحد رواد مدرسته"، مضيفا "كنت أغتنم زيارة الشيخ للعراق في منتصف التسعينيات لأسمعه بعض المقامات مستفيدا من تصحيحاته، وقد قلدته ونخبة من المنشدين فكان له فضل بعد الله فيما وصلنا له من مكانة إنشادية".

كما يؤكد الحيالي أن تعامل الشيخ لم يكن تعامل أستاذ مع طلابه، بل كان أبوي التعامل حنونا معهم، ولهذا تمسكوا به كثيرا وكانت إقامته في الكويت حاجزا دون تعلم المزيد.

وأكد محمد نواف الماروك -وهو أحد المقربين من الشيخ ومدير صفحة محبي الشيخ وليد إبراهيم على فيسبوك- عاطفية الشيخ العالية ولينه في الحديث مع الناس، إذ لا يمل الزيارة طالت أو قصرت، وكان يحث جميع الزائرين على المواظبة على قراءة القرآن لأنه سيرفع مقامهم وقدرهم بين الناس.

النائب في البرلمان رعد الدهلكي أثناء زيارة القارئ وليد في مستشفى بار بأربيل (الجزيرة)

المثوى الأخير
يقول عمار ناظم ابن أخي الشيخ وليد أنه خلال الأشهر الأخيرة من حياة عمه لازمه المرض وتدهورت صحته بشكل سريع وكان يقضي أوقاتا طويلة في المستشفى، واستمر على هذه الحال قرابة ستة أشهر، وفي صبيحة يوم السبت 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد ثمانين يوما متواصلة قضاها في مستشفى بار بأربيل؛ ليُغسّل ويكفّن بعدها في جامع سيد طيب بقال بمنطقة هفلان بأربيل.

وفي صبيحة اليوم الثاني، نقل جثمانه إلى مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار حيث مسقط رأسه، وقد صلي عليه في جامع عبد الجليل الهيتي ضمن تشييع مهيب انطلق به أهالي الرمادي والوفود القادمة من داخل المحافظة وخارجها لمثواه الأخير في مقبرة الرمادي القديمة، ليدفن إلى جوار أساتذته الشيخين عبد الجليل الهيتي وعبد اللطيف العبدلي.

وأقيمت له في آن واحد ثلاثة مجالس عزاء، أحدها في مسقط رأسه بالرمادي، والثاني بأربيل، أما الثالث ففي منزله بدولة الكويت.

فقد البصر فأنعم الله عليه بالبصيرة التي شقت له الطريق بتلاوة القرآن وتدبره، وستبقى تلاوته الشجية خالدة في ذاكرة محبيه وعموم المسلمين.

المصدر : الجزيرة