"من يريد الخلافة؟".. نماذج تاريخية غير مثالية لاستمرار فكرة قديمة

رسم لقصر توب كابي الذي استخدم مقرا للحكم في عهد العثمانيين (ويكي كومون)
رسم لقصر توب كابي الذي استخدم مقرا للحكم في عهد العثمانيين (ويكي كومون)

عمران عبد الله

ظل "العالم الإسلامي" مرادفا لمصطلح "الخلافة" قرابة 14 قرنا من الزمان، باستثناء بعض مراحل الانقطاع، ويحيل المصطلح المشحون إلى ذكريات ضاربة في أعماق التاريخ تثير مزيجا من الآمال والمخاوف والتهديدات، وظل الجدل حوله مستمرا بشكل لا مثيل له.

وأدى انهيار "الخلافة العثمانية" بعد الحرب العالمية الأولى لصدمة واسعة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، وأصبح مشروع استعادتها مرة أخرى فكرة مركزية ملهمة للعديد من الحركات والمشاريع الفكرية، ومع ذلك تراجعت إغراءاتها مع بناء دول عربية حديثة في أجواء الحرب الباردة. ولكن -اليوم- مع إخفاق مشروع بناء الدولة عادت الفكرة مرة أخرى مثيرة وملهمة أكثر من أي وقت مضى، بحسب الأكاديمي المختص في التاريخ الإسلامي والأخلاق والدراسات الإسلامية بجامعة توليدو أوفامير أنجوم.

وبحسب دراسة أنجوم المنشورة في معهد يقين للدراسات، يُوصف المدافعون عن إحياء الخلافة بأنهم "متعصبون أو رومانسيون"، ومع ذلك تبنت تيارات إسلامية معاصرة مواقف فكرية متباينة، تتشابه بعضها مع الديمقراطية المسيحية في أوروبا بينما تسعى بعضها لاتحاد دول إسلامية (كونفدرالية) مكوّن من نظم ديمقراطية مسلمة تستلهم تجربة الاتحاد الأوروبي، وهو ما يرى أنجوم أنه قد يكون خيارا عقلانيا.

والاتحاد الكونفدرالي هو رابطة مكونة من دول أعضاء مستقلة وذات سيادة، ولكنها تفوض -بموجب اتفاق فيها بينها- بعض الصلاحيات لهيئة أو هيئات مشتركة لتنسيق سياساتها.

ومع ذلك يعتبر في دراسته أن هذه الرؤى "رغم براغماتيتها والتنازلات التي قدمتها فشلت في التحقق أو حتى تجنب الاضطهاد"، وفي المقابل أصبح خيال الأجيال الشابة أحدث وأكثر جرأة.

استمرار الفكرة القديمة
ويناقش أنجوم -في السياق- الاعتراضات على فكرة الخلافة بأنها غير مجدية، مقارنا إياها بـ"الديمقراطية" التي بدأت كأسلوب حكم محدود في مدينة يونانية صغيرة وازدهرت مؤقتا، ثم اختفت لألفي سنة قبل أن تعود بقوة لتسود عالميا.

ويلقي مقال نُشر مؤخرا في صحيفة نيويورك تايمز -وأشار إليه أنجوم- الضوء على "القوة المستمرة لفكرة الخلافة بين المسلمين في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم الذين يبغضون داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ويدينون بشكل قاطع عنفه".

ويرى أنجوم أن فكرة حديثة لنظام حكم غير مركزي يتكون من اتحاد عادل وخاضع للمساءلة ويعي حقوق الإنسان بين حكومات إقليمية مسلمة ذات اقتصاد موحد ودفاع مشترك، قد يكون حلا لتزايد تدهور المجتمعات والدول الإسلامية أو بديلا عن تحولها إلى "إقطاعيات إرهابية أو حتى قيام حرب عالمية" بحسب تعبيره.

غير مثالية
ويتابع أنجوم معتبرا أن "الخلافة المثالية" تشبه أفكارا مثالية عن الديمقراطية التي تتحقق بشكل كامل أو فكرة مثالية عن الدولة القومية ذات السيادة الحقيقية، ويقول إنه نادرا ما تتحقق هذه التطلعات الجماعية في شكل مثالي، ومع ذلك فهي "تلهم نضالات شخصية وجمعية مختلفة".

وينظر للفكرة بطريقة واقعية، مؤكدا أنها "لم تكن يوتوبيا حتى في أفضل أيامها"، ويتابع "لذلك علينا أن نرفض إضفاء الطابع الرومانسي على الخلافة كمؤسسة يمكنها بطريقة سحرية -بمجرد إعلانها- أن تضمن استقلال المسلمين ورفاههم".

ويناقش في دراسته آراء "علمانية حديثة" ناقدة لأفكار الوحدة الإسلامية، معتبرا "أن مجرد الإشارة إلى العيوب التاريخية (وأخطاء التطبيق) ليس حجة كافية ضد جدوى الخلافة".

مشروعية واقعية أم دينية؟
ويتعرض الباحث في دراسته لمشروعية الفكرة الدينية، موردا قول الإمام أبو حامد الغزالي إن "الدين أس، والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدومٌ، وما لا حارس له فضائعٌ"، وتبنى ابن تيمية وإمام الحرمين الجويني كذلك الفكرة نفسها مؤكدين على ما ذهب إليه الغزالي من أن "وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه".

ويناقش أنجوم السياقات الواقعية للفكرة بما فيها توسع العولمة ووعي المسلمين بظروفهم المختلفة وازدياد الفجوة الاقتصادية، والانتفاضات العربية وتزعزع نموذج الدولة القومية مع تبني سياسات "نيوليبرالية" جديدة تشكك في مفهوم السيادة الوطنية.

ثيوقراطية مطلقة أم اتحاد متسامح؟
ويقول أنجوم إنه لكي يكون أي دفاع عن فكرة الخلافة مفيدا، فإن الإخفاقات المتكررة للفكر والممارسات السياسية الإسلامية في الماضي يجب أن يتم الاعتراف بها بصراحة، ودراستها بشكل منهجي لتكوين "رؤية واقعية عن اتحاد سياسي إسلامي في العالم الحديث".

ويضيف أنه "لا يمكن أن تكون مثل هذه الرؤية لا تاريخية، ولا طوباوية، ولا مجرد إعادة تلخيص لأطروحة أو مؤسسة من العصور الوسطى أو ما شابه". 

وعلاوة على ذلك -يضيف أنجوم- يجب أن يضمن مثل هذا الاتحاد التوافق مع الترتيبات السياسية والثقافات المختلفة والطوائف الدينية للمسلمين، بما في ذلك ضمان حقوق الأقليات غير المسلمة، مستشهدا بدراسة البروفيسور ديفيد واسرشتاين الباحث في اليهودية وإسلام التراث اليهودي في جامعة فاندربيلت الذي يقول في كتابه "الرايات السوداء لداعش: جذور الخلافة الجديدة" إن "إسلام الخلافة في العصور الوسطى هو الذي أنقذ اليهودية من الانقراض وسمح لهم بالنجاة والازدهار لاحقا".

ويقول أنجوم إن إنجاح هذه الرؤية "لا يتطلب مقالا بل جيلا من الفقهاء المسلمين والمنظرين السياسيين"، ويرى أن الخلافة لو كانت غير موجودة على مدى قرون من الزمن على أراضٍ تتميز بسلام نسبي واستقرار وتبادل ثقافي وتجاري، لكان البديل هو عصر مظلم من الممالك الصغيرة، أو حتى الأسوأ من ذلك مثل اشتعال الثأر القبلي الذي قاده "الخوارج" الذين يشبهون تنظيم الدولة اليوم، بحسب تعبيره.

ويضيف أنه بينما لم يكن الأمويون ولا العباسيون ولا العثمانيون خلفاء مثاليين -وكان بعضهم طغاة حقيقيين- لكنهم أدركوا -هم والنخبة الدينية (العلماء) والقيادات السياسية المسلمة- القيمة العليا لوحدة المجتمع وأسبقية القانون.

نماذج تاريخية خمسة
ويقسم أنجوم مراحل الخلافة التاريخية إلى خمسة نماذج هي "الخلافة الراشدة" التي لم يتم التمييز بين السلطات الدينية والسياسية فيها بشكل منهجي، ولكن بعد أقل من قرن من الزمان ظهر نموذج آخر أصبحت فيه الخلافة عملا سياسيا في المقام الأول، وتم تقاسم السلطة الدينية تدريجا بين الخليفة والعلماء الذين أصبحوا بمثابة القادة الاجتماعيين والدينيين الحقيقيين للمجتمعات الإسلامية والمدارس الفكرية.

ويقارن بين حكم الخلفاء الأوائل من مدينة صغيرة على قاعدة المساواة والتقوى، وبين "الخلافة الإمبراطورية" في العصرين الأموي والعباسي في أوج قوته، أي عندما أصبحت بغداد العباسية أغنى عاصمة إمبراطورية بينما كان نصيب الفرد من الثروة معقولا وصلاحيات الخليفة محدودة نسبيا بحسب  الباحث.

وعندما تلاشت القوة الفعلية لخلافة بغداد ظهر نموذج ثالث كان فيه الخليفة في المقام الأول سلطة رمزية وروحية بينما كان الحكام الفعليون لمختلف الولايات قادة محليين أو عسكريين، لكنهم "افتقروا إلى الشرعية اللازمة للخلافة"، واستمر هذا العصر نحو خمسة قرون -بحسب أنجوم- وتبلورت فيه مفاهيم الفكر السياسي الإسلامي الذي جعل قوة الخليفة "الرمزية" مبدأ أساسيا لا غنى عنه.

ارتباط رمزي

ويضرب أنجوم المثل بنموذج صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين وفاز بقلوب العامة لكنه توفي وهو يسعى للحصول على مباركة الخليفة في بغداد، معتبرا أن "موافقة الخليفة مهمة لسلطة الحاكم لتكون شرعية، بغض النظر عن إنجازاته"، وذلك للارتباط الرمزي بالنبي ووحدة المجتمع على أجزاء جغرافية مختلفة.

وظهر النموذج الرابع للخليفة عندما وحّد العثمانيون سياسيا أوروبا الشرقية وغرب آسيا وشمال أفريقيا تحت إمبراطورية واحدة استمرت أربعمئة عام، متبنين "قانون الشريعة" الذي تم شرحه وإدارته من قبل العلماء بصفتهم مفتين وقضاة، بينما كانت صلاحيات الخليفة/السلطان محدودة بحسب الأكاديمي الذي ناقش حالات سلاطين تم خلعهم بحكم القاضي، لكنه أضاف أنه رغم كل ذلك كانت هناك نماذج استبدادية واضحة.

وفي وقت لاحق تطورت ثلاث نظم سياسية إسلامية في وقت واحد هي العثمانية والصفوية والمغول في الهند، ولم تتوحد هذه النظم في كيان واحد، ولم يكن الخليفة يتمتع بالسلطة الدينية إلا في الأمور العامة المحدودة، واستشهد أنجوم بالمستشرق الأميركي الشهير برنارد لويس الذي اعتبر أنه "لا يمكن أن توجد ثيوقراطية في الإسلام (السني)" بفضل التعددية الفقهية وعدم وجود مؤسسة كنسية تتحدث باسم الإله.

وبحلول القرن 19، قام العثمانيون بإصلاحات كبيرة لتحديث جيشهم واقتصادهم ومجتمعهم، وتم استبدال الأعراف السلطانية القائمة بدستور، لكن العثمانيين لم ينجوا من الحرب العالمية الأولى، وسمى أنجوم هذه المرحلة "بالخلافة الدستورية".

ويرى الباحث في ختام دراسته أن تخيل فكرة الخلافة ككونفدرالية من الحكومات التي تحكم مناطق الغالبية المسلمة مع ضمان حماية حقوق الإنسان للجميع، وقبول التنوع في السياسات المحلية؛ قد يكون بديلا جيدا من "قوافل الإرهابيين" الذين اختطفوا المفهوم بطريقتهم الخاصة.

المصدر : نيويورك تايمز,الجزيرة