في الجزائر.. تمثال القائد الأمازيغي "ماسينيسا" يفجر كوامن التاريخ

الحكومة الجزائرية رفعت الستار عن نصب مخلد للقائد الأمازيغي ماسينيسا في حديقة تافورة بقلب العاصمة (مواقع التواصل)
الحكومة الجزائرية رفعت الستار عن نصب مخلد للقائد الأمازيغي ماسينيسا في حديقة تافورة بقلب العاصمة (مواقع التواصل)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

اختارت الحكومة الجزائرية الذكرى الخامسة والستين لاندلاع الثورة التحريرية -الموافق للأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954- لترفع الستار عن نصب مخلد للقائد الأمازيغي "ماسينيسا" في حديقة تافورة بقلب العاصمة الجزائر، تحت إشراف وزير المجاهدين الطيب زيتوني.

ويعد الملك الأمازيغي ماسينيسا -المولود عام 238 قبل الميلاد- موحد مملكة نوميديا، التي امتدت من مصر حتى المغرب، وكانت عاصمتها قرب مدينة قسنطينة في الجزائر، وهو صاحب مقولة "أفريقيا للأفارقة"؛ لكن من المؤرخين من يتهمه بالعمالة لروما في حربها على قرطاج.

استولى الجيش الروماني المتحالف مع ماسينيسا على قرطاجة عام 146 قبل الميلاد، وعمد الرومان إلى حرقها وتخريبها وتشتيت سكانها وتحويلها لولاية رومانية، بعد أن كانت مركزا زراعيا وتجاريا نظرت له روما بعين الغيرة والتوجس.

وأثار النصب ردود فعل واسعة وسط النخب الثقافية فضلا عن رواد الفضاء الأزرق، لتطفو بقوة فصول معركة الهوية والعرق والانتماء إلى واجهة السجال الافتراضي، خاصة أن الحدث تزامن مع حراك شعبي وسياق سياسي يستدعي الكثير من القراءات والتأويلات.

صدى التواصل
وكتب الناشط شروف فاروق على صفحته الخاصة بموقع فيسبوك أن" نصب تمثال ماسينيسا تزامنا مع ذكرى الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني المجيد تصرف استفزازي ضد مشاعر الأغلبية، ورسالة مفادها أنهم لن يحيدوا عن خدمة فرنسا وريثة روما في المنطقة".

كما غرد سعيد زروقي بالقول "لا أستبعد أن يقوم أنصار ماسينيسا أنفسهم بتحطيم التمثال بعد تدشينه من أجل افتعال أزمة، مثلما قتلوا معطوب الوناس وتاجروا بدمه"، والوناس فنان قبائلي اغتيل صيف 1998 في ظروف غامضة.

وفسر مدون ثالث على صفحة "أحفاد ماسينيسا" الموقف بشكل مختلف، فقال إن "النظام الذي صنع تمثال ماسينيسا هو نفسه الدي سجن حاملي الراية الأمازيغية، لماذا الآن بمناسبة ثورة نوفمبر/تشرين الثاني، إنه يحضر طبخة في الخفاء".

غير أن مدونا آخر على صفحة "عين الفكرون إمازيغن" تعجب من الذين يخونون الملك، وكتب "بربكم أي عهد نقضه ماسينيسا حتى تقولون عنه خائن، كيف يوصف صاحب شعار أفريقيا للأفارقة بالخيانة؟".

عميل روما
ولم تبتعد كثيرا نقاشات النخبة عن جدل التواصل الاجتماعي، حيث صرح المؤرخ محمد الأمين بلغيث أن "السلطات استغلت عشية الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني لتثير جدلا واسعا بين الجزائريين بنصب تمثال في مكان وزمان غير مناسبين".

واعتبر الأمر مستفزا لقطاع عريض من الذين يعرفون أن ماسينيسا لا يمثلهم، فهو الحارس الأمين لمصالح روما في نوميديا.

واستغرب في تصريح للجزيرة نت عودة السلطات إلى "زمن عميل روما وكلب حراستها الذي دمر مع الفيالق الرومانية قرطاج".

وأضاف أن الموقف يذكره كمؤرخ بالصليبي الفرنسي الأب دان، وهو يوجه كلامه للبابوية وملوك الغرب الصليبي بأنهم دمروا الجزائر البيضاء حجرا حجرا، كما فعل أسلافكم مع قرطاج.

وسأل "هل ستحتفل السلطات يوما ما، في غياب الوعي الحضاري واستغلال التجاذبات السياسية، فتنصب لنا تماثيل لأمثال بارتزان أو دي بورمون أو للمنفر من الإسلام لافيجري وشارل دو فوكو وغيرهم؟"، في إشارة إلى رموز الحملة العسكرية الصليبية الفرنسية على الجزائر.

محمد الأمين يرى أن تخليد "عميل روما" استفزاز لمشاعر الجزائريين في توقيت غير مناسب (الجزيرة)

غير أن المؤرخ والمناضل الأمازيغي محند أرزقي فراد يدرج الحدث ضمن "نضالات الجزائريين منذ عقود طويلة من أجل إعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية ولرموزها وأمجادها، والتي لم تكن سهلة زمن الأحادية بسبب اختزال الجزائر في المكون العربي".

وربط فراد في تصريح للجزيرة نت تخليد ماسينيسا بمكاسب المسألة الأمازيغية الأخرى، على غرار "دسترتها" لغة وطنية بموجب تعديل 2002، ثم ترقيتها إلى لغة رسمية في دستور 2016، وبعدها الاعتراف برأس السنة الأمازيغية الموافق لـ12 يناير/كانون الثاني، واعتباره يوم عطلة مدفوعة الأجر، أسوة بالسنة الميلادية والسنة الهجرية، على حد تعبيره.

وعليه يعتقد أن تنصيب تمثال الملك الأمازيغي ماسينيسا لم يحدث جدالا أو صدمة في المجتمع، ولعل ما يؤكد ذلك -بحسبه- هو الدعوة في مسيرات الحراك الشعبي إلى وحدة متماسكة في إطار التنوع الثقافي. 

وأضاف أنه "مهما يكن من أمر، فإن بعث أمجاد الأمازيغ السابقة للفترة الإسلامية ليس بدعة، فجميع الشعوب العربية تعتز بحضاراتها السابقة للإسلام مثل الفراعنة والفينيقيين والسومريين والآراميين".

وأشار إلى أن القرآن قد وجه إلى فقه التاريخ من خلال ذكر الأقوام البائدة للعبرة والاعتبار.

الباحث الأمازيغي فراد يرى أن نصب ماسينيسا تكملة لإعادة الاعتبار للمسألة الأمازيغية في الجزائر (الجزيرة)

تجييش الفضاء العام
وعن مصدر ومنحى تلك الخلافات في الفضاء العام حول الرمزية الثقافية والتاريخية لمثل هذه المحطات، أكد الباحث في الفلسفة والهوية بومدين بوزيد، أنها تظهر مقرونة أحيانا بنقص في المعرفة بالتاريخ والدين أو تعمد التخليط ونشر معلومات غير صحيحة.

وقال في تصريح للجزيرة إن هذا "الخلاف يغذيه الموقف المعارض للسلطة، أو الصراع الأيديولوجي بين تيارات فكرية وسياسية".

وحمل السلطة جزءا من التشنج والخطاب العنفي الذي يصاحب النقاش في قضايا الهوية والرمزيات، لأنها أسست -بحسبه- شرعيتها وبقاءها باسم التاريخ، وسوء استعمال الرمز أو الاستيلاء عليه أو ادعاء ملكيته، معتبرا ذلك اعتداء على ما هو مشترك بين المواطنين، وقد يكون القصد منه انتصار تيار على آخر.

وتابع كلامه بأن السلطة لم تفكر جيدا في إستراتيجية استمالة الأمازيغ في ظرف سياسي حساس، ولم تقرأ جيدا تاريخ بلدها.

وختم بالقول إن الفضاء العام تتحكم فيه العواطف والتجييش الممزوج أحيانا بالتهويل والكذب، بينما تكون للعلم والمعرفة التاريخية المساحة الضيقة وقد تغيب تماما.

المصدر : الجزيرة