أدب اللجوء أم المنفى؟.. موجة الكتابة الجديدة بعد الربيع العربي‎

لوحة للفنان جيمس مكبي تصور لاجئة على مقربة من مخيم للاجئين في ظروف الحرب العالمية الأولى (ويكي كومون)
لوحة للفنان جيمس مكبي تصور لاجئة على مقربة من مخيم للاجئين في ظروف الحرب العالمية الأولى (ويكي كومون)

عارف حمزة-هامبورغ 

راج في الآونة الأخيرة في تقسيم الأدب مصطلح أدب اللجوء الذي يقصد به إبداع كتاب فرّوا من بلدانهم بسبب الحرب أو الاعتقال وصاروا في بلدان اللجوء، وظهرت دراسات عديدة منها دراسة بعنوان "أدب اللجوء السوري" (مركز حرمون للدراسات) وهو ما يدعو إلى التساؤل عن صحة هذا المصطلح من عدمه.

ورغم أن الأدب العربي شهد الكثير من التقسيمات التي قد لا تلتفت لها الآداب العالمية الأخرى مثل أدب المهجر وأدب المنفى وأدب السجون والأدب النسوي، فإن هذا التقسيم يطرح سؤالا جديا: ألا ينتمي أدب اللجوء إلى أدب المنفى وبدرجة ما إلى أدب المهجر؟

ولا تمثل التجربة السورية سابقة أدب اللجوء في ذلك، إذ سبقتها التجربة الفلسطينية بأدب التغريبة والشتات الفلسطيني، إلا أن هذا المصطلح ينطلق من هذه التجربة الآن مع الموجة الكبيرة من اللاجئين العرب التي صاحبت الربيع العربي.

ولم يطلق هذا المصطلح على الأدب الذي كتبه كتاب عراقيون بعد فرار المئات منهم من نظام الرئيس صدام حسين وكتبوا روايات ومجموعات شعرية وقصصية خارج العراق، ولم تصنف الدراسات النقدية هذه الكتابة ضمن أدب اللجوء بل نظر النقاد إليها على أنها جزء من الأدب العراقي المكتوب في المنفى‎.

الروائي والناقد السوري هيثم حسين (الجزيرة)

في انتظار المعجزة
الروائي والناقد السوري هيثم حسين وصل لاجئا إلى بريطانيا عام 2014 وعاش تلك التجربة المريرة عندما يشعر اللاجئ بأنه طارئ على مكانه الجديد ويبحث عن سبل للتصالح مع ذاته ومكانه.

وكان الأدب خير وسيلة لفهم الذات والمكان معا واكتشاف للذات والآخر، ويقول حسين إن الكاتب اللاجئ يستدل من خلال الأدب "إلى مستهل الدرب الذي قد يهدئ من شعوره المتفاقم بالضياع والانسلاخ عن مكانه وماضيه ومجتمعه والبحث عن عتبة للدخول في ثنايا المجتمع الجديد إن كان عبر فكرة الاندماج المتخيلة أو التأقلم وتكييف النفس وإرضاخها للمستجدات التي يجد نفسه محاصرا بها". 

وبسؤال حسين عن الفارق بين اللجوء والمنفى، أوضح للجزيرة نت أنه يجد أن "المنفيّ أكثر تقبلا لحالته التي يجاهد لتفهمها واستيعابها، في حين أن اللاجئ لا يزال يكابر أو يظن في لاشعوره أن هذه مرحلة طارئة مؤقتة أو أن ما يمر به ويعيشه حلم أو كابوس وسيفيق منه عند منعطف ما وأن معجزة ما قد تحصل وقد تعيده إلى بلده المنشود". 

وجع المنفى وقهر اللجوء
يرى حسين أن قهر المنفى أكثر هدوءا من قهر اللجوء الذي يبقي صاحبه متخبطا في بحر الواقع ويقول "يخوض غمار صراعات عديدة يفترض أنه كان قد تخطاها في زمن سابق.. اللاجئ حساس تجاه أي تفصيل وحين يصبح أكثر تفهما لواقعه الجديد يمضي نحو المنفى ويقترب منه أكثر.. المنفى صقيعي مؤلم واللجوء جحيمي بدوره والأدب بمفهومه الشامل يتّسع لكلا المصطلحين المتداخلين اللذين لا يكون بينهما أي تعارض".

وترى القاصة السورية سناء عون أنه يجب إضافة قول جديد لقول الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني على لسان أحد أبطاله في مجموعته القصصية أرض البرتقال الحزين "على اللاجئ أن يثبت على الدوام أنه إنسان" تعزيزه بالقول إن "على الكاتب الذي اضطر إلى اللجوء إلى بلد آخر أن يثبت على الدوام أنه كاتب أولا وأن ما يقدمه من نتاج فني أدبي هو أدب أولا هو فن في النهاية، بعيدا عن التصنيفات والتقسيمات وعن السياسة والحروب والثورات والاستبداد والاضطهاد والقضايا العادلة حتى".

الإنحياز للفن
تعتبر عون التسميات والتقسيمات الكثيرة للأدب تسميات تؤطر الأدب والفن وأنهما أبعد ما يكونان عن هذه التقسيمات التي تبعدنا عن دور الأدب الحقيقي الجمالي بالقول إن "الانحياز الأهم يجب أن يكون نحو فنية هذه الكتابة، نعم الفن لأجل الفن والأدب هو الأدب في أي مكان وفي أي زمان وفوق أي جغرافيا".  

وتعتقد عون التي وصلت إلى النرويج عام 2016 أن هناك خلطا في المصطلحات والتسميات، "فقانونيا وحقوقيا هناك حالات لجوء، لكنني لا اتفق أدبيا مع هذه التسمية، بل لأقل إنها تبدو بالنسبة إلي غريبة، فأنا أنحاز للأدب الجيد أولا وأخيرا، الأعمال التي أعتقد أننا متفقون على فنيتها". 

الكاتبة السورية سناء عون (الجزيرة)

وتعتمد عون في نظرتها هذه على أعمال أدبية كتبها كتاب كانوا لاجئين، لكنها تقع في صميم الأدب العالمي، مضيفة للجزيرة نت أسماء وأمثلة منهم الكاتب الأفغاني خالد حسيني صاحب روايتي "ألف شمس مشرقة" و"عداء الطائرة الورقية"، وبرتولدو بريشت وإيزابيل الليندي وغيرهم، رغم أن بعض هؤلاء الكتاب يكتبون بالإنجليزية كأدب عالمي لا ينتمي بالضرورة لأدب اللجوء.‎‎

خصوصية أم أدب منفى؟
قال حسين ردا على سؤال عن تصنيف ما يكتبه هو وزملاؤه الذين صاروا في منافٍ مختلفة "لعل ما ينتجه اللاجئون من أدب سيندرج لاحقا في إطار ما، وأجد أنه سيكون مختصا بملامحه التي تحافظ على خصوصية ما له، وتبقيه قريبا من المهجر أو المنفى، لكن ليس لدرجة التماهي معه أو التخفي تحت عنوانه العريض".

ويجد حسين أن اللجوء بحد ذاته سيتحول إلى اتجاه في الأدب المعاصر "لأنه أصبح قضية عالمية ضاغطة، وهناك ملايين اللاجئين حول العالم في كل مكان "متسائلا إن كان قد أصبح هناك فريق للاجئين وتمثيل واقعي لهم فلماذا لن يكون هناك أدب للاجئين؟ 

غلاف المجموعة القصصية حيث تشير البوصلة للكاتبة سناء عون (الجزيرة)

أما سناء عون، صاحبة المجموعة القصصية حيث تشير البوصلة فإنها تجد أن كل هذا الأدب "لأولئك الذين غادروا بلدانهم أو اضطروا إلى ذلك يقع برأيي في سياق أدب المنفى، وما يجعل من أدب ما أدبَ منفى هو الاغتراب المكاني بالدرجة الأولى والأسئلة والأفكار المتولدة عن ذلك الاغتراب من حيث اللغة ونمط الحياة والعيش على هوامش الثقافة المضيفة". 

أما عن تجربته الشخصية حين كتب كتابه الأخير "قد لا يبقى أحد"، قال حسين للجزيرة نت إنه حاول فهم ذاته ومحيطه الجديد وسعى لتفكيك محنة اللجوء التي مر ويمر بها، حيث وجد أن الكتابة ساعدته على اكتشاف جوانب مختلفة من الواقع.

ويضيف "شعرت أكثر بأني أصبحت مواطنا عالميا ينتصر لقضايا الآخرين كما ينتصر لقضيته لقد تراجعت مشاعر اللامبالاة تجاه مآسي الآخرين ولم يعد اللاجئون الآخرون من أماكن قصية في العالم بالنسبة لي أرقاما أو أخبارا أو قضايا بعيدة عن اهتمامي، اقتربت منهم وتعرّفت إليهم مما ساعدني على الاقتراب أكثر من ذاتي".

المصدر : الجزيرة