قراءة في كتاب "الحياة السياسية في جامعة الخرطوم خلال الفترة 1910-2010"

غلاف كتاب "الحياة السياسية في جامعة الخرطوم" (الجزيرة)
غلاف كتاب "الحياة السياسية في جامعة الخرطوم" (الجزيرة)

د.سراج الدين عبد الغفار

الكتاب الذي نستعرض أهم صفحاته له أهمية خاصة، إذ يتناول الحياة السياسية في أعرق الجامعات السودانية، التي أنشئت تخليدا لذكرى القائد الإنجليزي غوردون باشا، فلازمها اسم كلية غوردون التذكارية حتى نال السودان استقلاله عام 1956 وتحول اسمها بعد ذلك إلى جامعة الخرطوم.

افتتحت كلية غوردون رسميا يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1902، وظلت حقبة الاستعمار الإنجليزي المصري للسودان بين عامي 1898 و1956 مليئة بالقيود على الطلاب الدارسين في الكلية، وهي الفترة التي أعقبت دخول قوات اللورد كتشنر للسودان وقضى على الدولة المهدية بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي (1881-1898).

أهمية هذا الكتاب تكمن في أنه يعد المحاولة الأولى التي تجمع إرث العمل السياسي للطلاب خلال مئة عام، وهو بذلك يمثل مرآة لإعادة قراءة الأحداث في السودان من خلال ممارسة الطلاب لأنشطتهم داخل كلية غوردون وجامعة الخرطوم، الأمر الذي ربما يفتح نافذة جديدة لقراءة تاريخ السودان.

يحمل الكتاب عنوان "الحياة السياسية في جامعة الخرطوم خلال قرن.. 1910-2010.. القوى السياسية واتحاد الطلاب"، لمؤلفه  الدكتور حاتم عبد الفاضل، وجاء في طبعته الأولى التي صدرت هذا العام من 536 صفحة عن دار مطابع السودان للعملة المحدودة ومقرها الخرطوم.

يعزو الكاتب سبب اختياره لهذا الموضوع إلى حاجة كثير من الباحثين الذين يجدون انحسارا وشحا في المادة التوثيقية التي توثق لسيرة الطلاب ونشاطهم في أعرق جامعة في العالمين العربي والأفريقي، ويقول إنه أضاف عناصر الزمان والمكان موثقة بمصادرها، وأورد الأسماء حفظا للأجيال وتوثيقا للمستقبل ولإثراء المكتبة الشبابية والطلابية. كما اعتمد السرد القصصي المشوق الذي يناسب الأعمار الشبابية والطلابية، وتجنب الحشو الزائد والاسترسال في الموضوعات التي لا علاقة لها بنشاط الطلاب.

الدكتور صلاح الدين الزين محمد المدير السابق لمركز الجزيرة للدراسات ورئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم لعام 1987-1988، والذي اختير سابقا مديرا للمجلس الأربعيني لاتحاد الطلاب لعام 1988-1989، قال في تقديمه لهذا الكتاب إن ما يميزه أنه يقدم إسهاما توثيقيا غير مسبوق لفترة تركت بصماتها واضحة في تاريخ السودان الحديث، مع التركيز على اتحاد طلاب الجامعة والقوى السياسية الطلابية بها، موضحا أن الكتاب لا يقدم تحليلا سياسيا أو تاريخيا، ولكنه يسعى لتقديم توصيف موضوعي ودقيق للوقائع والحقائق المتصلة بتلك الحقبة المعروفة بتفاعلاتها السياسية الكثيفة فيما بين القوى السياسية الطلابية المختلفة، وبين الطلاب وإدارة الجامعة، وبين مكونات الجامعة ومحيطها السياسي.

يتضمن الكتاب 14 فصلا، نعرض أهم فصوله هنا وأبرز الأفكار التي تناولها...

يتناول الكاتب في الفصل الأول نشأة كلية غوردون التذكارية حتى أصبحت جامعة الخرطوم عام 1957، ويستعرض فيه التوسع التدريجي الذي طرأ عليها وعلى أجهزتها الإدارية، إلى حين تولى الأساتذة السودانيون مهام الوظائف الإدارية خلفا للأساتذة الإنجليز، وأسماء مديريها الذين تعاقبوا عليها، والنواب وعمداء الطلاب والأحداث التي تزامنت إبان توليهم المهام الإدارية.

وذكر الكاتب الأسباب التي كانت في مخيلة منشئي كلية غوردون، لتكون لبنة أولى للتعليم العالي في السودان، ولتخريج جيلٍ يتولّى قيادة الأمة السودانية في شتى المجالات. ولم يغب عن ذهن أصحاب الفكرة والمنهج أن تكون هذه القيادة مهتدية بأنموذج الحضارة الغربية وسائرة على هديها، وأن تأسيس كلية تذكارية سيجعل لبريطانيا المركز الأول باعتبارها قوة حضارية وعلمية، وأوكل وضع تصميم خريطة الكلية لفابركوس باشا المهندس المعماري لخديوي مصر.

أنشأ الإنجليز كلية غوردون لتخريج جيل يتولى قيادة الأمة السودانية، دون أن يغيب عن أذهانهم أن تكون هذه القيادة مهتدية بأنموذج الحضارة الغربية، بما يجعل لبريطانيا المركز الأول باعتبارها قوة حضارية وعلمية

ويتناول الفصل الثاني موضوع النشاط الطلابي ويقدم فيه الكاتب تعريفا للأنشطة المختلفة التي يمارسها الطلاب من خلال اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ودساتيره وكيفية اختيارهم لممثليهم، وأورد نماذج للعمل الثقافي الذي يقوم به الطلاب من خلال إصدار المطبوعات الثقافية والسياسية مثل مجلة الجامعة، وتنظيم المواسم الثقافية ودعوة المفكرين من جميع أنحاء العالم لزيارة جامعة الخرطوم ومخاطبة طلابها.

والفصل الثالث يوثق لنشأة القوى السياسية وتطورها تقدما وتأخرا، ظهورا واختفاء، ويذكر أن الحزب الشيوعي السوداني سبق الأحزاب نشاطا في كلية غوردون، ثم لحقت به الحركة الإسلامية الحديثة في حقبة الأربعينيات، وأن الحزبين العريقين اللذين كانا يحكمان السودان كان نشاطهما داخل الكلية مرهونا بدورهما في الحياة السياسية السودانية. وقد لا يجد المرء تشابها كبيرا بين القوى السياسية داخل الجامعة ونظيراتها خارجها، فلكل ميزته وخصوصيته وطريقته في التعبير والممارسة والإسهام في العمل السياسي، ويظهر ذلك جليا في سيادة الأحزاب المستقلة والاشتراكية لقيادة الطلاب ثم تراجعها وأحيانا زوالها.

أما الفصل الرابع فيتناول فترة ما قبل الاستقلال وكيف تأثر الطلاب بالذي يجري حولهم في مصر والعالم، وكيف اكتسبوا أو تعلموا وسائل التعبير السلمية، حتى أكثروا منها وأورثوها للأجيال من بعدهم، حيث تعلموا كيف يقيمون المظاهرات والاحتجاجات والمخاطبات، وهي الأماكن ذاتها التي وقف فيها قادة الإنجليز يأمرون الطلاب من لدن وليامز وماثيوز في كلية غوردون.
 
وذكر الكاتب نماذج للقيود التي فرضها المستعمر على طلاب الكلية، مثل ألا يتحدث الطالب عن جنسيته السودانية وهو في الكلية، ويسمح له فقط بالتحدث عن قبيلته فلا تنمو فيهم روح الوطنية. كما مُنع الطلاب من قراءة الصحف والمجلات المصرية وعدم كتابة الشعر الذي يحرض على الثورة، وعدم السفر إلى مصر، فضلا عن عدم ارتداء أزياء الإنجليز وأحذيتهم والتشبه بهم، وعدم ركوب الدرجة الأولى في القطار، ويُعاقب بالجلد (بحبل التيلة الغليظ) والأعمال الشاقة وحمل الأوساخ تحت الحراسة المشددة كل من يخالف اللوائح والقوانين.

ذكر الكاتب نماذج للقيود التي فرضها المستعمر على طلاب كلية غوردون، مثل ألا يتحدث الطالب عن جنسيته السودانية وهو بالكلية، ويسمح له فقط بالتحدث عن قبيلته، حتى لا تنمو فيهم روح الوطنية

وفي عام 1928 استُدعي الطالب علي كباشي الذي يدرس بالسنة الثالثة في قسم القضاء الشرعي لمقابلة مدير الكلية المستر يودال، وما كان يدري أن المخابرات الإنجليزية تبحث عن قصيدة بخط يده لمقارنتها بقصيدة منشورة له في مجلة "البلاغ" المصرية قال فيها:
إنا لا نزال على قيود          نعاني تحت حكم الغاصبينا
فحسبك أن أوطاني تنادي     بأعلى صوتها يا منقذينا

عُوقب الطالب بالشتم والترحيل قسرًا إلى مدينة الأبيض ثم إلى مركز مدينة "أبو زبد"، وأمام مفتشها حكم عليه بالسجن ستة أشهر.

وذكر الكاتب أن المستعمر لم ينجح في محاصرة الطلاب فأنشؤوا أول تنظيم سياسي في تاريخ السودان عام 1918، وتعلموا إرسال المنشورات وكتابة المقالات في الصحف وابتعاث الطلاب سرا للدراسة في مصر. كما نظموا أول مظاهرة في تاريخ السودان سيّرها عدد من خريجي كلية غوردون من أعضاء جمعية الاتحاد السوداني يوم 17 يونيو/حزيران 1924 في العاصمة الخرطوم، ثم تبعتها مظاهرات في مدن السودان المختلفة.

بل إن الطلاب العسكريين نظموا مظاهرة سياسية في أغسطس/آب 1924 شارك فيها 51 طالبا حربيا بأزيائهم العسكرية الكاملة، وكل منهم يحمل بندقيته وبها خمسون طلقة، فاعتقلوا لمخالفتهم النظم العسكرية المعروفة، وذاقوا صنوفا من العذاب والضرب والتنكيل، ثم نُقلوا إلى عرض النيل ليعتقلوا هناك في باخرتين (البوردين وملك) وُضعتا داخل المياه لمدة شهر كامل، ثم حوكموا بالسجن ثماني سنوات وأعيدوا إلى سجن كوبر فأشعلوا داخله ثورة على مدى ثمانية أيام متواصلة.

المصدر : الجزيرة