الآثار في الاقتصاد والسياسة.. اكتشاف في العصر البرونزي يظهر 3600 عام من تجارة بريطانيا مع أوروبا

مجمع أورم العظيم ومنجم النحاس الذي حفر في العصر الحجري (ويكي كومون)
مجمع أورم العظيم ومنجم النحاس الذي حفر في العصر الحجري (ويكي كومون)

تبدو جهود بريطانيا للتخفف من روابطها الاقتصادية والسياسية مع أوروبا في المستقبل سيرا عكس مسار التاريخ؛ إذ تظهر كشوف حديثة عن تجارة مبكرة وقديمة بين بريطانيا وأوروبا اعتبرت أقدم وأوسع انتشارا مما كان يعتقد سابقا.

ويكشف بحث أثري جديد عن دليل رائع على وجود تجارة قديمة معتمدة على تعدين النحاس في ويلز قبل 3600 عام، عندما كان الإنتاج مثمرا للغاية، ووصل المعدن إلى فرنسا وهولندا وألمانيا والدانمارك والسويد، حسب الدراسة المنشورة في العدد الأخير من مجلة العصور القديمة الصادرة عن جامعة كامبريدج.

ونظرا لأن الصورة المرسومة عن بريطانيا خلال العصر البرونزي (2400-800 قبل الميلاد) تعتمد كليا على البحوث الأثرية، فقد ساد الانطباع عن هذه الفترة بأنها حقبة جمعت مجتمعات زراعية منعزلة، فيها تربية الماشية وزراعة الحبوب، وشيدوا قطعا أثرية دائرية، لكن الأدلة على الاستيطان والاستقرار نادرة بشكل عام قبل 1500 قبل الميلاد، حسب الدراسة التي أجرها آلان ويليامز الباحث في قسم الآثار الكلاسيكيات والمصريات، في جامعة ليفربول البريطانية.

ورغم هذه الصور الانعزالية عن المجتمعات الزراعية المتناثرة، فهناك أدلة متزايدة على وجود روابط قوية للتجارة وتبادل السلع مع سكان القارة الأوروبية، ولا تزال طبيعة هذه العلاقات في اقتصاد ما قبل النقد موضع نقاش.

وتكشف الدراسة أيضا عن كفاءة المنهجية متعددة التخصصات في تحقيق اكتشافات جديدة عبر الدمج بين الخبرة الأثرية والتاريخية والجيولوجية والتقنيات التحليلية العلمية والمعملية والكيميائية.

قطع نحاسية متنقلة
ظهرت القطع النحاسية (الخناجر والفؤوس) لأول مرة في بريطانيا نحو 2400 قبل الميلاد، وكانت مرتبطة بأشخاص أتوا من أوروبا، وفقا لدراسات الحمض النووي الأخيرة، وحل هؤلاء الوافدون في نهاية المطاف -على مدى القرون التالية- محل معظم سكان العصر الحجري الحديث الموجودين في الجزيرة البريطانية.

وكانت إمدادات النحاس البريطانية مبدئية في معظمها من جنوب غرب إيرلندا (جزيرة روس). ومع استنفاد هذا المصدر، تم فتح مناجم صغيرة في ويلز ووسط شمال غرب إنجلترا نحو 1900 قبل الميلاد، وكان الإنتاج في هذه المناجم صغيرا نسبيا، وكان لا بد من استكماله بالمعادن من القارة الأوروبية.

ولكن تغير كل هذا بشكل جذري في نحو 1700 قبل الميلاد، مع اكتشاف خامات وموارد النحاس الهائلة في منجم أورم العظيم على ساحل شمال ويلز.

كان هذا أحد أكبر مناجم النحاس في العصر البرونزي في أوروبا، واستمد اسمه الإنجليزي من الكلمة الإسكندنافية القديمة لثعبان البحر، وأدى الاكتشاف الكبير للمنجم الغني ذي الطبيعة السهلة إلى إغلاق جميع مناجم النحاس الأخرى في بريطانيا في غضون 1600 قبل الميلاد، ووفر موارد كافية لصناعة الأدوات المعدنية مثل الفؤوس ورؤوس الحراب وأدوات الصيد، وكذلك التجارة والتبادل مع أوروبا.

العصر البرونزي للتجارة
ويقود تتبع المعدن الناتج عن الطفرة النحاسية الممتدة على مدى مئتي عام في جميع أنحاء بريطانيا والقارة الأوروبية لنتيجة مفادها أن بريطانيا كانت أكثر اندماجا في شبكات التجارة في العصر البرونزي الأوروبي وأقل انعزالا مما كان يعتقد سابقا.

وجرى العمل في المنجم الكبير عبر تنظيم وتنسيق للموارد من أجل تحقيق مستويات الإنتاج العالية المتوقعة في مرحلة الذروة للإنتاج من المنجم، وأسهم الإنتاج النحاسي من المنطقة في شبكات التبادل والتجارة الكبيرة، وربما تطلب التعدين على هذا النطاق الواسع عمليات صهر محلية، وهكذا نشأ مجتمع للتعدين يعمل بدوام كامل.

وتكشف الدراسة عن تنظيم وتفاعلات اجتماعية أكبر مما كان يعتقد سابقا بين المجتمعات الصغيرة العديدة عبر بريطانيا، حسب الباحث البريطاني آلان ويليامز.

وأصبح من الممكن لهذا المجتمع بدل الاعتماد على الزراعة لتوفير الغذاء، الاعتماد على المجتمعات المحلية في المنطقة المجاورة الأكثر ثراء من الناحية الزراعية في شمال شرق ويلز، التي كان بدورها لها دور في التبادل التجاري ونصيب من الأرباح.

وبذلك تكون لدينا الآن أدلة متزايدة على أن تجارة بريطانيا وعلاقتها مع القارة الأوروبية وسكانها -رغم الاضطرابات الحالية- لها جذور عميقة تعود إلى عدة آلاف من السنين.

المصدر : الجزيرة