من محبة الأعداء إلى الحروب الصليبية.. كيف جرى واقع مسيحيي الغرب بما لا يشتهي النص؟

لوحة عن غزو الصليبيين لمدينة القسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 ميلادية (مواقع إلكترونية)
لوحة عن غزو الصليبيين لمدينة القسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 ميلادية (مواقع إلكترونية)

عمران عبد الله

من محبة الأعداء والإحسان للمبغضين إلى فكرة الحروب "المقدسة" ومحاكم التفتيش، هناك قفزات هائلة في التصورات الكنيسة المسيحية للحرب، ذلك أن تعاليم إنجيل متَّى لا تتطابق ما جرى على الأرض وخاصة مع الفصول الدامية للحروب الصليبية بالتأكيد، وكأن رياح الواقع جرت بما لا تشتهي سفن النص.

تبنى المسيحيون عبر التاريخ أربع وجهات نظر عن الحرب يمكن إجمالها في عدم المقاومة، والمسالمة المسيحية، وفكرة الحرب العادلة، وأخيرا الحرب الصليبية أو الحرب "المقدسة".

وتبنت الكنيسة الأولى في الإمبراطورية الرومانية موقفا مسالما عندما تعلق الأمر بالحرب، لأن تقليد حياة المسيح "القربانية" كان حاضرا وقريبا، بينما تطور مفهوم "الحرب العادلة" في وقت لاحق عندما باتت الحرب مقبولة بتأثير من المفكرين الرومانيين واليونانيين السابقين غير المسيحيين مثل شيشرون وأفلاطون.

وقد تم تبني هذه النظرية لاحقا من قبل مفكرين مسيحيين مثل القديس أغسطينوس (أوغسطين) الذي حاول التوفيق بين تعاليم السلام المسيحية والحاجة إلى الحرب في مواقف معينة، واستعان أوغسطين وغيره من منظري المسيحية بالكثير من المبررات من الكُتاب الرومانيين والقانون الروماني.

مملكة الرب
وفي كتابه "نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية" يعتبر المفكر الجزائري الراحل محمد أركون أن المؤرخين المختصين بحقبة الحروب الصليبية يعتبرون أن البابوات الذين ألهموا الحملات الصليبية وقادوها منذ نهاية القرن الحادي عشر استخدموا مصطلح القديس أغسطينوس (أوغسطين) "الحرب العادلة"، لكنهم فيما بعد أضفوا عليها صبغة لاهوتية ورفعوها لمرتبة أعلى ونعتوها بـ"الحرب المقدسة".

ويرى أركون أن مصطلح الحرب المقدسة أقوى لاهوتيا من الحرب العادلة، لأنه يجعل الحرب إلهية أو مفروضة من الرب ذاته من أجل تخليص قبر المسيح من أيدي "الكفار" بحسب وجهة نظر بابوات الحروب الصليبية.

ويرى الباحث عبد الله الطحاوي أن المسيحية عندما أصبحت على علاقة مع الدولة بالمعنى المادي، أصبح لا مفر أمامها من استخدام القوة والتحول من القوة الروحية للقوة المادية، وبالتالي بدأت الأفكار والاجتهادات للتنظير للقوة المادية التي تحتاجها الدولة في قتال الأعداء أو المهرطقين.


ويضيف الطحاوي للجزيرة نت، "بدأت تظهر كلمات الهرطقة والكفر والارتداد وهي في جوهرها من أجل الدفاع عن الدولة، وهذه التحولات كلها من تحولات الارتهان لمنظومة القوة ونظام الدولة".

سيف الدين أم السلطة؟
ورغم أن النصوص المسيحية تعتبر أن تأسيس مملكة أو دولة على الأرض ليس عملها، لأن "مملكة الرب الحقيقية ليست من هذا العالم إنما هي مملكة روحية وهي من عالم آخر، عالم السماوات"، فإن الواقع يجري بما لا يشتهي النص.

ويرى أركون في كتابه أن الإسلام والمسيحية فاتحان وتبشيريان، ويقارن بين مفهوم الحرب المقدسة المسيحي ومفهوم الجهاد الإسلامي في كليهما، معتبرا أنهما مختلفان عن اليهودية التي بقيت محصورة بشعب معين وعدد محدود من الناس.

ويستشهد الطحاوي بالفيلسوف الإنجليزي ثوماس هوبز، معتبرا أن القساوسة والرهبان تركوا السيف للسلطة لكن حولوه لسيف ديني، ولم يمسكوا السيف بأنفسهم، "باركوا سيف السلطة" فحولوا الجهاد بالمعنى الروحي والمعنوي إلى جهاد مادي، وبدأت تدخل فكرة الحروب المقدسة والحروب الصليبية والحروب من أجل المسيح، في محاولة لإعطاء شرعية لهذه الحرب، فضلا عن المعنى الديني.

الرفض والتبني
ومع ذلك، وفي القرون المبكرة للمسيحية، رفض العديد من المتدينين الانخراط في الخدمة العسكرية، وبرزت نماذج لجنود رفضوا الاستمرار في القتال بعد التحول للمسيحية وأعدم بعضهم.

ويعزو أستاذ الدراسات الدينية واللاهوتية "مارك ألمان" موقف الرافضين للعسكرية لمبدأين، هما رفض استخدام القوة (العنف) الذي كان ينظر إليه على أنه يتناقض مع تعاليم المسيح، ورفض الخدمة في الجيش الروماني الذي تطلب تعظيم الإمبراطور باعتباره إلها وهو ما اعتبر شكلا من عبادة الأصنام، وذلك قبل تحول الإمبراطورية للمسيحية وتراجع رفض الحرب لعقيدة "الحرب العادلة" الجديدة، بحسب كتاب مارك ألمان "الحرب والسلام والتقليد المسيحي".


ورأى أوغسطين -الذي ولد بمنطقة تقع بالجزائر الحالية تابعة لمملكة نوميديا التابعة للإمبراطورية الرومانية آنذاك وعاش بين 354 ـ 430م- أنه يمكن تبرير الحرب من أجل الحفاظ على الدولة، وتصحيح أخطاء الدول المجاورة، وتوسيع رقعة الدولة إذا كان ذلك سيجعل الطغاة يفقدون السلطة.

ووفر أوغسطين الغطاء الكنسي الكاثوليكي للحرب، وألهم أيضا فكرة "الحرب المقدسة" فيما بعد إذ كان مقتنعا بأن الرب هو الآمر الحقيقي بالحرب، والرب عادل بالضرورة وبهذا يحق للحكام المسيحيين شن الحرب، مما غيّر من موقف الكنيسة الغربية تماما من الحرب فصارت عملا ضروريا بعد أن كانت عملا خاطئا.

ويرى مؤرخ الحروب الصليبية جوناثان رايلي سميث والأكاديمي بجامعة كامبريدج البريطانية أن الإجماع المسيحي بخصوص العنف تغير بشكل جذري مع الحرب الصليبية، ولم يعد العنف "شرا يمكن التغاضي عنه كضرر أصغر" بل أصبح مبررا، باعتباره عملا ينتمي "لنوايا المسيح البشرية" ويمكن حتى أن يكون مرخصا به من قبل المسيح نفسه، وأصبحت "القوة محايدة أخلاقيا" وقابلة لاكتساب أي تلوين أخلاقي من نوايا المحاربين.

وفي وقت لاحق، نزل البابوات إلى الميادين العسكرية وحرضوا على محاربة أعداء الكنيسة بوصفهم أعداء الرب، بما في ذلك البابا ليو الرابع الذي ربط الحرب ضد المسلمين بالخلاص المسيحي ووعد الجنود بالنعيم السماوي والخلود الأبدي!

 

المصدر : الجزيرة