ثورة لبنان بعيون سينمائي محلي.. لن ننام أبدا

الحراك الشعبي في لبنان يطالب بحكومة تعالج المشكلات الاقتصادية والمالية (الجزيرة)
الحراك الشعبي في لبنان يطالب بحكومة تعالج المشكلات الاقتصادية والمالية (الجزيرة)

على منبر صحيفة لوموند الفرنسية، كتب المخرج السينمائي اللبناني غسان سلهب مقالا يعج بالمشاعر، بعد أربعة أسابيع عاشها بين المتظاهرين متنقلا من بيروت إلى طرابلس، ليتساءل كيف للمرء أن يعبّر عن مدى وتنوع المشاعر التي تنتابه أمام الكثير من التباينات التي تجمعت فجأة واتفقت؟

وتساءل الكاتب كيف يمكن لأحد أن يمسك دفتر الانتفاضة، ويعبّر عن هذا التوتر الداخلي والقدرة غير المتوقعة على الإنصات للآخر أيا كان، فردا أو مجموعة أفراد قلما يجمعه بهم أمر سياسي، وكيف يتنزل عليه فجأة الانسجام، ويشعر أن الآخر الذي يفصله عنه كل شيء يستطيع هو اليوم الإنصات إليه.

وهم لا مفر منه
ويتعجب الكاتب من قدرته غير المتوقعة على رؤية وسماع ما وراء هذه الأناشيد المؤلمة والعلم الوطني، وعلى تجاوز أكثر من شعار أجوف وأغان معادة ومبالغات، ليتبين أن كل ذلك كان تعبيرا متسرعا عن الثورة، مما يجعله يقول لنفسه إن وهم الأمة الوليدة "أخيرا" هو وهم لا مفر منه، يجب أن نتعلم كيف نفر منه ونتعالى عليه.

ويقول الكاتب إنه تقبل في النهاية الذهاب مع هذا المد مهما يكن مربكا، ومرافقته بالجسد والروح، معللا نفسه بأنهم قد يكونون "يراعات في هذه الليلة التي يريدون فرضها علينا إلى الأبد"، موضحا أن الضمير "هم" يعني الذين يحكمون والذين حكموا والذين يريدون أن يحكموا والذين يريدونها أكثر من أي شيء وبأي ثمن، بشكل مباشر أو غير مباشر، ناسجين من أجل ذلك جميع أنواع الشبكات التي لا يمكن الفكاك منها.

سلهب: الانتفاضة قامت في البداية بسبب ما سئمه الناس من فساد مستمر دام عقودا (الجزيرة)

وأشار إلى أن هذه الكلمات القليلة التي أعرب عنها بهدوء خلال التجمع المتواصل في مدينة طرابلس شمال البلاد، أصبحت منذ ذلك الحين كتابات على الجدران، ولذلك ينتابه كل صباح شعور بأنها قصيدة معلقة.

ويقول غسان "وأنا الآن، لا أتوقف عن التنقل من مجموعة لأخرى، ومن تجمع لآخر، ومن مناقشة لأخرى، ومن طموح لآخر، ومن رغبة لأخرى، ثم العودة من بعضها لبعض، مستنفدا الكلمات والأغاني والإيقاعات والاتفاقات والخلافات"، خاصة أن "كل واحد منا يدرك تماما -بغض النظر عن نتيجة هذه الانتفاضة- أنه سيكون بطريقة أو بأخرى متأثرا بعمق".

ويلتفت الكاتب إلى "أولئك الذين لا يريدون أو لا يستطيعون الانضمام إلينا. انضموا إلينا نناشدكم، انضموا إلينا! أنتم أيضا تعانون. كل مدينة وكل قرية وكل حي يغنى له، كل يوم. لا يُنسى أحد ولا يُترك أحد. إنه جنون خالص".

طفح الكيل
وهذا نص آخر يقول إن "الهدف الحقيقي للثوار هو تنمية القوى الحية التي يشاركون فيها، وإعداد مستقبل الثوار من أجل الوصول في النهاية إلى وضع ثوري. وكل من يضعون المتطرفين مقابل المواطنين، والمتمردين الثائرين مقابل السكان الخانعين، يعيقون مثل هذا المستقبل".

لبنانيون يعتصمون أمام عدد من المؤسسات العمومية (الجزيرة)

وهذه الانتفاضة قامت في البداية بسبب ما سئمه الناس من فساد وإهمال مستمر دام عقودا، ووصل مؤخرا إلى مستوى كبير من التوحش، ولكنها بدأت في إدراك الواقع الفعلي للنظام السياسي برمته الذي لا يمكن إلا أن يؤول إلى مثل هذه الحالة من التدهور والتفاوتات التي لا معنى لها.

وحقيقة، يتساءل الكثيرون: هل يعقل أن لا أحد يقود -ولو من وراء ستار- هذا كله؟ ليرد الكاتب بأنه مقتنع بذلك، خاصة أن الكثير من الناس يخرجون بشكل منتظم إلى الشوارع في كل مكان، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، إلا أن خصوصية ما يحدث منذ أربعة أسابيع بالنسبة له هو أنه لا يوجد قادة تقريبا.

ومع ذلك، يقول الكاتب إنه يعتقد أن مجموعات من الأفراد وعددا قليلا من المنظمات الصغيرة قد تشكل نوعا من القيادة، كما أن هناك مجموعة من التنظيمات الذاتية التلقائية التي تقوم وتتفكك كل يوم تقريبا، كما أن التنسيق قد يكون أو لا يكون.

ورأى الكاتب أن هناك تخليا عن إستراتيجية محددة، حيث يتم قطع أكثر من طريق/ وجميع أنواع التظاهر كالمسيرات والاعتصامات تنتشر في جميع أنحاء البلاد، في الساحات مرة وأمام مؤسسات الدولة مرة، وحتى أمام منازل بعض المسؤولين، كما لو أن الأفكار لا يمكن أن تنتشر إلا من شخص لآخر، في مرونة مذهلة، وكأنها حرب عصابات مدنية في المناطق الحضرية، ولا يمكن إلا أن تصل إلى نتيجة.

المصدر : لوموند