شروخ في جدار المحبة.. الصورة المصرية في الأدب السوداني

الرئيس المصري المولود في الخرطوم محمد نجيب لحظة خروجه من قصر الرئاسة (ويكي كومون)
الرئيس المصري المولود في الخرطوم محمد نجيب لحظة خروجه من قصر الرئاسة (ويكي كومون)

عماد بابكر-الخرطوم

ظلت الآداب والفنون مرآة لمجتمعاتها تعكس، ما يعتمل فيها، وكيف ينظر المجتمع لأمر ما، ويعد الباحثون هذه الصور مؤشرًا ينبغي الاهتمام به في فهم الشعوب. ويحاول هذا التقرير تتبع الصورة المصرية في الأدب السوداني في القرن العشرين.

شكلت مصر في الخيال السوداني منارة إشعاع ثقافي يتوق إليها السودانيون والمتأدبون منهم بشكل خاص، وهي رغبة تحققت لدى البعض من أمثال الشَّاعر السُّوداني الكبير محمد سعيد العباسي الذي ذهب إليها طالبًا بالكلية الحربية، وفيها تعرف على عثمان الزناتي أستاذ العربية بالكلية، الذي استمع لشعره، وأعجب به ورعاه، فأهداه العباسي ديوانه وحفظ جميله بعد الرحيل:

ويا رحمة الله حلي بمصر   ضريح الزناتيّ عثمانيه

غذاني بآدابه يافعًا          وقد شاد بي دون أترابيه

حبٌ يلامس التقديس
لكن مصر عنده ليست كلها الزناتي، فالمؤسسة الرسمية (الكلية الحربية) تعامل السوداني معاملة مختلفة عن المصري في نظام الترقيات، رغم كونهما في جيش واحد، فاستعفى العباسي من الكلية الحربية.

والعباسي كما يرى الناقد أبو عاقلة إدريس إسماعيل في إفادته للجزيرة نت من الذين أحبوا مصر حبًّا يكاد يصل للتقديس:

مصرٌ وما مصرٌ سوى الشمس التي      بهرت بثاقب نورها كل الورى

ولقد سعيت لها فكنت كأنما            أسعى لطيبة أو إلى أم القرى

ولايرى إدريس أن هذه الصدمة التي تعرض لها العباسي أثرت في محبته لمصر، بل ظل الشاعر يأمل وحدة القطرين.

ومثل العباسي في حبه لمصر كان الكثير من المثقفين السودانيين، الذين كانت مصر حلقة وصل لهم مع العالم وآدابه، وكانوا يرون الوصول إليها والنهل منها إضافة لهم، بعد أن كان يصل نورها من بعيد بأشكال مختلفات، أهمها المطبوعات المصرية من كتب ودوريات، أو في المعلمين والمثقفين من أهل الوظائف. من هؤلاء التجاني يوسف بشير رغم أنه لم يحظ بمراده:

إنما مصر والشقيق الأخ السودان   كانا لخافق النيل صدرا
حفظا عهده القديم وشادا    منه صيتًا ورفَّعا منه ذكرا
كلما أنكروا ثقافة مصر     كنت من صنعها يراعًا وفكرا
نضَّر الله وجهَها فهي ما تزداد      إلا بعدًا عليّ وعُسرا

كانت حسرة كبيرة في قلب الشاعر الذي مات دون الثلاثين ألا يرى مصر، لكنها طبعت له بعد وفاته ديوانه "إشراقة". في القصيدة ذاتها يوصي التجاني مصر:

وثقي من علائق الأدب الباقي     ولا تحفلي بأشياء أخرى

كل ما في الورى عدا العلم      لا يُكبِّر شعبًا ولا يُمجّد قُطرا

أدباء سودانيون بالقاهرة
احتضان مصر للعديد من الأدباء السودانيين جمَّل الصورة المصرية، ومن هؤلاء الرباعي الذي شكل موجة جديدة في الشعر السوداني، وهم: محمد مفتاح الفيتوري، والجيلي عبد الرحمن (صاحب الجواد والسيف المكسور)، وتاج السر الحسن (شاعر آسيا وأفريقيا)، ومحيي الدين فارس (صاحب ديوان الطين والأظافر). وصار هؤلاء رواد قصيدة التفعيلة بالسودان.

وكانت مصر حاضرة في شعرهم بما لها من أياد عليهم، ولم يكن هؤلاء ولا غيرهم في فترة النصف الأول من القرن الماضي يعدون أنفسهم غرباء عن مصر، فهم سكان وادي النيل وشعبه، ولعل قصيدة "آسيا وأفريقيا" التي كتبها تاج السر لمؤتمر دول عدم الانحياز -بباندونق في أبريل/نيسان 1955- أعطت مصر ما لم تعطه لسواها، رغم أنها تناولت عددًا من الدول:

مصر يا أختَ بلادي يا شقيقة

يا رياضًا عذبة النَّبع وريقة

يا حقيقة...

مصر يا أمَّ جمالٍ أم صابرْ

ملء روحي أنتِ يا أختَ بلادي

سوف نجتثُّ من الوادي الأعادي

فلقد مُدَّت لنا الأيدي الصَّديقة

يضاف لهم شعراء كثر، من أشهرهم الهادي آدم المرتبط في الذاكرة الثقافية بقصيدته "أغدًا ألقاك"، وإدريس جماع (لحظات باقية)، وقد درسا بمصر ونهلا من علومها، والعبقري المفكر معاوية محمد نور الذي شكلت كتابته جزءًا من المشهد الثقافي المصري، ولقد أدى اهتمام مصر بالثقافة والفنون وتواصلها الجيد مع المثقفين السودانيين إلى إحساسهم بفضل مصر وأياديها، ويظهر ذلك في شعر كثيرين من غير الذين ذكرنا .

ظلال السِياسة
لم تكن الصورة المصرية في الأدب السوداني واحدة أو ثابتة، لكنها اقترنت بالسياسي بشكل كبير، سواء كان القطران طرفيه، أو كان الحدث في بلد دون أخرى. 

فمنذ الثورة العرابية والأدب السوداني يتناول أمر مصر كما فعل الشاعر السوداني الشيخ السلَّاوي:

شغل العِدا بتَشتُّتِ الأحزابِ

واللهُ ناصرُنا بسَيفِ عُرابي

ويورد الدكتور عبده بدوي في كتابه الشعر في السودان أن القصيدة بيعت بجنيه من الذهب في القاهرة. وامتد هذا التفاعل للذود عن مصر في العدوان الثلاثي، والعبور من بعد، وصارت مصر عند السودانيين البطلة المدافعة الذائدة، يقول مختار محمد مختار:

ألا فاسلمي رغم النوائب يامصرُ   لك العز والمجد المؤثل والفخرُ

سيـخضب ألفٌ من بنيك ترابَهـا   دمًا قبل أن يُـحْتَّلَ مـن أرضها شبـرُ

 يموتون أحرارًا ذيادًا عن الحمى   وخيرٌ من الذلِّ الصَّفـائحُ والقبرُ

وتبقى الظلال السياسية بين البلدين هي الأهم في رسم الصورة، ولعل من أهمها قديمًا مسألة الاتحاد مع مصر من عدمه، وقبلها تاريخيًّا مشكلة المياه وتقسيمها، مما ظهر في شعر كثيرين، من أهمهم عبد الله الطيب، فعلى كون الرجل محبًّا لمصر في بعض قصائده:

           أحب مصرًا لحبِّ النيل مغتربًا       بها ولي منه كاساتٌ ونُدمانُ.

إلا أنه مهتم بأمر بلده قبل، فخاض في مسألة المياه في قصيدته الوطن الضائع:

وإِني لأَخشى أَن أَرى النيلَ في غدٍ           شريعَةَ قَوْمٍ عَلَّهَا وانتهالَها

ونَحْنُ ظِماءٌ رُزَّحٌ بِمفَازَةٍ      سباسِبَ تَقْلِي الناجياتُ اعتمالها

نَحِنُّ إِلى وادٍ خصيبٍ ومَنزِلٍ           ونَخْلٍ على شَطّيْهِ أَرْخَتْ ظلالها

الناقد الدكتور مصطفى الصاوي يعلل ذلك للجزيرة نت بقوله "الأمر طبيعي؛ فالموضوعان مختلفان، وحتى في الموضوع الواحد تتبدل الآراء باختلاف الزمان، وبما يجد". وهذا ما يذهب إليه أبو عاقلة إدريس مستشهدًا بتبدل آراء كثيرين بما جدّ، ومنهم الشاعر صالح عبدالقادر، الذي كان من دعاة الاتحاد، بل كان عضوًا في جمعية اللواء الأبيض التي استشهد قادتها في سبيل مبادئها التي يتقدمها الاتحاد مع مصر، ثم تحول فكره وشعره حتى قال:

فدع عنك فكرة الاتحاد ونحِّها     وناد باستقلالنا فهو أكرم

فشعبك خيرٌ من شعوب كثيرة      وأرقى وأسمى بل أعز وأكرم

وحدة وادي النيل
كان الانقسام واضحًا بين السودانيين، بين ساع لوحدة شعبي وادي النيل، وبين داع بدعوة "السودان للسودانيين"، وسجل الشعر كل ذلك، وظهرت الملامح بشكل واضح مع ثورة 1924م، التي كان مقتل السير لي ستاك من أسباب اشتعالها، وأعقب ذلك صمت طويل للشعر. 

فلقد كان ذكر مصر بالخير مما يثير حنق المخابرات البريطانية، ورغم كل ذلك كانت القصائد تترى من الداعين للوحدة، لكن حتى هؤلاء تحولوا من الوحدة إلى المعسكر الآخر، وصار دعاة الوحدة دعاة لاستقلال السودان عن الإنجليز، ومصر أيضًا، مثلما قال أبو القاسم محمد عثمان:

كنت أشدو بها هزارًا وفيًّا   فتسير الأيام أيان أذهب 

غير أني صحوت من حلم زاه   ومن نومة الضمير المخضب

لست أرضى إذا استباح كبير    كبريائي ولست أعنو لمنصب

إن في مصر يا نديمي يا شيخ   حياة إلى المذلة تنسب

هذا التغير بدأ بعد فشل ثورة اللواء الأبيض، وردة الفعل الضعيفة في الأوساط المصرية، وتناسلت الأسباب؛ شخَّصها بعضهم، وغفل عنها آخرون، ومن أهم الذين حاولوا وضع يدهم على الجرح اللواء محمد نجيب، الذي أورد في مذكراته "كنت رئيسا لمصر" "مآخذ السودانيين على المصريين"، ومنها "جهلهم بأمور السودان من لغة ودين ومدنية وجغرافيا"، وأضاف "نعرف عن أوروبا وأميركا أكثر مما نعرفه عن السودان".

ويتابع نجيب قائلاً "يأخذون علينا إهمال الكثير من أبنائهم ممن ضحوا في سبيل وحدة وادي النيل، وكانت نتيجة ذلك أننا أصبحنا نوصف بنكران الجميل". ويبدو أن اللواء محمد نجيب -سوداني المولد والنشأة ومصري الأصل- يعلم بواطن الأمور في السودان جيدًا.

وعندما أقيل نجيب من قبل جمال عبد الناصر خرجت الخرطوم في مظاهرات منددة، وكان الأدب حاضرًا، فكتب السياسي والشاعر أحمد محمد صالح في أزمة مارس:

ما كنت غدارًا ولا خوانا   كلا ولم تكن يا نجيب جبانا

يا صاحب القلب الكبير تحية   من أمة أوليتها الإحسانا

عرفتك منذ صباك حرًّا وافيًا  فوفت إليك وآمنت إيمانا

إلى أن يقول:

باعوا رئيسهم ورمز كفاحهم    بيع السماح وحالفوا الشيطانا

ما حطموك وإنما قد حطموا    أمل البلاد وصوتها الرنانا

لقد رأى السودانيون مصير نجيب، فاعتبروا به، وكان حدثًا فارقًا في تاريخ البلدين، ولكنه ليس سببًا مفردًا. 

الإعلام المصري
لعب الإعلام المصري في أول القرن الماضي دورًا إيجابيًّا من إسهام في ذيوع الثقافة، وتحسين الصُّورة المصرية، وتناول الإبداع السوداني، وكان همزة وصل، لكن مع مضي السنوات قلت مساحة الإيجابي وازداد السالب، ولقد تناول الشاعر السفير صلاح أحمد إبراهيم، حالة الإعلام المصري في مقال له في ثمانينيات القرن الماضي، في مجلة الدستور، وكتب "شعب السودان لا يضمر لأخوة الشمال غير الحب، ولكن أقل ما يرجوه أن يترك ليقول بمحض إرادته قصيدة حبه لا أن يلقن كلمات كاذبة".

وهذا قول رجل محب لمصر، كما يقول عنه الطيب صالح، إذ كتب عن صلاح مقالًا نشر في توديعه (دمعة وفاء) وجاء فيه "كان يحب مصر حبًّا حقيقيًّا، لكنه أحب مصر من منطلق أنه سوداني".

ويرى أستاذ الإعلام الدكتور الوليد علي -في ما خصّ به الجزيرة نت- أن الإعلام المصري في أغلبه أسهم في رسم صورة شائهة للسودان عند المصريين، كما أسهم في رسم صورة سيئة لمصر عند السودانيين، وذلك بتناوله القضايا السودانية بشيء من الاستخفاف المصحوب بعدم المعرفة في عدد من القوالب الإعلامية، كما حاولت السينما تنميط صورة معينة للسوداني؛ مما جعل طيفًا واسعًا من السودانيين يبغض كل ما هو مصري حمية لبلاده.

وعبّر عن ذلك الإحساس بعض أدباء السودان، ومع ذلك يستدرك علي "لا بد من استصحاب أن الإعلام المصري رسميٌ في غالبه، مما يجعله لسان حال الحاكم لا الشعب".

حلايب وشروخات أخرى
ومثل كل جارين لن تنعدم المسائل الخلافية والحدودية، وكتب عنها شعراء سودانيين مثل عبدالقادر الكِتيَّابي الذي يقول:

ﻳﺎ ﺃﻧﺖ .. ﻗﻮﻟﻲ ﺣﻄﺔ..

ﺿﺤﻜﺖ ﻭﻗﺎﻟﺖ ﺣﻨﻄﺔ!

ﻗﻮﻟﻲ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻓﺎﻧﺜﻨﺖ ﻏﻨﺠًﺎ ﺗﻬﺬﺭﺏ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭﺓ..

ﻭﺍﻟﺤﻨُﻮﻁ ﻋﻠﻰ ﺗﻮﺍﺑﻴﺖ ﺍﻟﻠﺌﺎﻡ

ﻛﺎﻧﺖ ﺣﻼﻳﺐ "ﻋﻤﺘﻲ" ﻓﻲ ﻧﻤﺮﺓ ﺍﻟﻌﻄﺒﻮﻝ

ﻗﻠﺖ ﻟﻌﻠﻬﺎ...

ﺗﻬﺐ ﺍﻟﺘﺤﻴﺔ ﻟﻠﺴﻤﺎﺭ ﺑﺤﻀﺮﺓ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ.

ويواصل الصَّاوي في إفادته الانتباه لحقيقة أدبية، وهي قلة التناول للصورة المصرية في السرد باعتباره عملًا أقل انفعالية من الشعر، ورغم ذلك حضرت في واحدة من أهم الروايات "موسم الهجرة إلى الشمال"، التي جسدت مصر بعفوية التواصل؛ فمصطفى سعيد اختار أن يذهب كما النيل للقاهرة، لا لبيروت. كما أنه رأى مصر في منزلة بين منزلتين؛ ففيها الحضارة والسمت الشرقي.

ويختم الصاوي قائلاً إن الصور الذهنية المتبادلة تحتاج للكثير من القراءات الجادة، وإن مهمة الأدب الإشارة إلى الجرح، وربما الإسهام في علاجه لا تمام مداواته.

المصدر : الجزيرة