غاندي بكشمير.. الاعتداء على تراث المهاتما في ذكرى ميلاده الـ 150

الميراث الفكري والنضال السياسي لغاندي يحظى بالتقدير والإعجاب لدى كثيرين في مختلف أنحاء العالم (مواقع التواصل)
الميراث الفكري والنضال السياسي لغاندي يحظى بالتقدير والإعجاب لدى كثيرين في مختلف أنحاء العالم (مواقع التواصل)

شهدت بداية أكتوبر/تشرين الأول الجاري ذكرى ميلاد المهاتما غاندي الـ 150، إذ ينظر كثيرون حول العالم بعين التقدير والإعجاب لميراث غاندي الفكري ونضاله السياسي والسلمي وتأملاته الذاتية وحلمه بعالم أكثر عدالة.

وفي ذكرى ميلاده التي تعد عطلة وطنية في الهند وتعتبر عالميا "اليوم العالمي للاعنف"، قالت الشرطة الهندية إن لصوصا سرقوا بقايا رفاته من نصب تذكارية في بابو بهوان وسط الهند.

وأحرق جثمان غاندي -الذي كان متدينا هندوسيا- بعد اغتياله على يد متطرف هندوسي عام 1948 على خلفية دعمه للتقارب مع المسلمين في شبه القارة الهندية، لكن جرى الاحتفاظ ببقايا الرفات في نصب تذكاري في الهند.

ولا يبدو رفات غاندي هو الوحيد الذي تعرض للاعتداء، فبعد مقتله منتصف القرن الماضي شهدت شبه القارة الهندية سلسلة من أعمال الشغب الدامية تتناقض مع نظريته السلمية الراسخة، ورؤيته حول التعايش المدني بين الطوائف ولا سيما الهندوس والمسلمين.

وبالتزامن مع ذكرى ميلاده الـ 150 يشهد إقليم كشمير توترات كبيرة، ويقود الهند حاليا حزب بهاراتيا جاناتا القومي اليميني الذي يعد ذراعا سياسية لجماعات هندوسية متشددة، يتهم كثير من منتسبيها غاندي بخيانتهم، وذلك على خلفية مناصرته للوحدة مع المسلمين في شبه القارة.

وكان المهاتما الهندي (أي الروح العظيمة) قد دعا لإعادة الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين، مطالبا الأكثرية الهندوسية في شبه القارة الهندية باحترام حقوق المسلمين، وهي الدعوات التي لم تَرُق لهندوس متعصبين، وأطلق أحدهم ثلاث رصاصات أردته قتيلا في المحاولة السادسة لاغتياله.

تناقضات هندية
وبينما تحتفل الهند الرسمية والشعبية بذكرى غاندي هذه الأيام، كتب رئيس الوزراء "مودي" مقالة في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بعنوان "لماذا تحتاج الهند والعالم إلى غاندي؟" معتبرا أن أساليب المقاومة لدى غاندي أعطت الأمل للعديد من الدول الأفريقية، منوها بإشادة مارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا بالزعيم الهندي الملهم الذي كانت مقاومته اللاعنفية مصدر إلهام لحركات مناهضة الاستعمار والرأسمالية.

وبالمقابل -وبالتزامن مع مقال مودي- قال المناضل الهندي دورسويمي (102 عام) الذي شارك في النضال المسلح ضد الحكم الاستعماري للهند -قبل أن يفقد الثقة بجدوى العنف ويقتنع بحلول غاندي اللاعنفية- إن هناك محاولات واضحة لمحو ذاكرة غاندي حاليا، معتبرا أننا نعيش في عصر قاتِل غاندي حيث يتم اغتيال الكُتّاب والناشطين بسبب آرائهم منوها بالعنف المعاصر غير المسبوق وقمع المعارضة من قبل الدولة.

غاندي في كشمير
وفي جوابه عن سؤال صحيفة "ذي هيندو" الهندية بشأن رأيه فيما سيفعله غاندي إذا كان على قيد الحياة اليوم، قال دورسويمي لو كان غاندي حيا لأطلق نضالا مدنيا سلميا في كشمير ويطلب من الحكومة الهندية التراجع عن إلغاء المادة 370 (وهو القرار الهندي الذي أشعل موجة من الاحتجاجات في كشمير الهندية)، مضيفا أنه كان سيستضيف حوارا بين الرئيسين الهندي والباكستاني لمنع الحرب.

وأضاف دورسويمي للصحيفة الهندية، أن القومية التي يروج لها حزب بهاراتيا جاناتا اليوم هي "فكرة ضيقة جدا مبنية على الإثنية والشوفينية"، منوها بأن غاندي كانت لديه فكرة أكبر عن الحضارة الهندية، واقترح تطبيق اللامركزية على مستوى القرية، التي من شأنها أن تستوعب جميع المجتمعات والمصالح عبر الحكم الذاتي.

ورغم أن سيرة غاندي وصوره وتماثيله موجودة في كل مكان بأنحاء الهند الشاسعة، فإن تراثه في الذاكرة الهندية معرض للخطر وتتراجع القضايا التي ناصرها بسرعة بما في ذلك العلاقات الودية بين المجتمعات الهندية الهندوسية والمسلمة، ودخل غاندي في إضرابات عن الطعام لوقف الشغب بين المسلمين والهندوس، ولكن بعد عام من الاستقلال جرى اغتياله برصاصات قاتل لم يتقبل أفكاره المنفتحة على المسلمين.

مسيرة الاستقلال
وقاد مهاتما كرمشاند غاندي حركة استقلال الهند عبر فلسفة "ساتياغراها" التي ابتدعها في جنوب أفريقيا بداية القرن العشرين عندما كان المجتمع الهندي يناضل من أجل الحقوق المدنية هناك، ثم بدأها في الهند منذ عام 1917، ساعيا لمقاومة الاستبداد عبر العصيان المدني الشامل واللاعنف.

وبالنسبة إلى غاندي، لم يكن اللاعنف مجرد غياب عنف مادي، بل كان الحكم الذاتي والديمقراطية الراديكالية التي يشارك فيها الجميع في عملية الحكم جزءًا من فكرة غاندي عن اللاعنف، معتبرا أن الحكم الذاتي يجب أن يمتد ليشمل جميع الناس -الأغنياء والفقراء- ونظر غاندي للسلطة على الآخرين باعتبارها شكلا من أشكال العنف.

سلاح اللاعنف
وكان السلاح الأكثر قوة في احتجاج غاندي هو الصوم، وتعتبر مسيرة الملح عام 1930 التي قادها غاندي تحت الحكم الاستعماري البريطاني للهند ضد قانون ظالم يحصر استخراج الملح بالسلطات البريطانية، وتحدى غاندي القانون وقاد مسيرة شعبية توجه بها إلى البحر لاستخراج الملح من هناك، حيث واجهوا انتقاما عنيفا من السلطات الاستعمارية.

وفي عام 1940 عاد إلى حملات العصيان مرة أخرى فأطلق حملة جديدة احتجاجا على إعلان بريطانيا الهند دولة محاربة لجيوش المحور دون أن تنال استقلالها، لكنه تراجع عن رأيه على أمل نيل الاستقلال بعد الحرب، وتم ذلك بالفعل في أغسطس/آب 1947، وما إن أعلن تقسيم الهند حتى سادت الاضطرابات الدينية عموم الهند وبلغت من العنف حدا تجاوز كل التوقعات، وتألم غاندي بشدة داعيا للوحدة ونبذ العنف والوئام الديني.



وبالنسبة إلى غاندي، كانت المقاومة تعني وضع جسده في طريق الأذى، أو تعريضه للإصابة أو السجن أو حتى الموت، وهذا ما جعل مقاومته أداة سياسية قوية وأثارت أخبار ضرب الهنود العزل في مسيرة الملح تعاطفا عالميا، وألهمت مسيرة غاندي بعد سنوات مارتن لوثر كينغ في أميركا ولاحقا نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وحتى نشطاء الربيع العربي.

لكن فلسفة مهامتا الهند تكاد تتراجع للمربع الأول وتتحول لمجرد دعاية يستخدمها زعماء سياسيون هنود يتبنون أفكارا يمينية متشددة لا تتفق مع سيرة غاندي ونضاله في التعايش السلمي والديني في شبه القارة الهندية.

المصدر : الجزيرة