الكتابة بغير العربية.. هل تجعل المبدعين العرب كتابا أجانب؟

الجزائري بومدين بلكبير يقر بجدل الكتابة بلغة غير اللغة الأم (الجزيرة)
الجزائري بومدين بلكبير يقر بجدل الكتابة بلغة غير اللغة الأم (الجزيرة)

عارف حمزة-ألمانيا

حين سألنا الروائي والشاعر العراقي عباس خضر، المقيم في ألمانيا منذ عام 2000، إن كان يحبذ تقديمه كروائي عراقي مقيم؟ أم ككاتب ألماني من أصول عراقية؟ خاصة أنه حاصل على الجنسية وكتب رواياته الأربع الأخيرة بالألمانية مباشرة، أجاب بأن كل كاتب يكتب بالعربية وينتمي لمكان محدد يمكن تسميته ككاتب مرتبط بمكانه: كاتب سوري، كاتب لبناني، وهكذا.

وبحسب قوله -في حديث للجزيرة نت- فإن وضعه مختلف كثيرا، فهو لا يكتب بالعربية، وإنما بالألمانية مباشرة، لهذا تعتبر كتبه جزءا منتجا ضمن الألمانية، ويعتبر أن التعريف الأكثر دقة هو "كاتب ألماني من أصول عراقية".

هناك أيضا عدة تصريحات، سابقة وشهيرة، للروائي الفرنسي من أصول مغاربية الطاهر بن جلون يصر فيه على أنه كاتب فرنسي وليس مغربيا.

والسؤال: هل الكتابة باللغة الأجنبية تجعل الرواية تنتمي إلى ثقافة اللغة التي كتبت بها؟ وهل يعتبر ذلك الكاتب أجنبيا أم يبقى عربيا؟

الفرنسي من أصول مغربية الطاهر بن جلون يصر على كونه كاتبا فرنسيا (غيتي)

إشكالية هوية النصوص
يجد محمد حياوي الروائي العراقي المقيم في هولندا أن الرابط الأعمق والمؤثر بين الكاتب وانتمائه الأصلي هو اللغة بطبيعة الحال، فهي كأداة لتجسيد الأنا الذاتية العميقة بمعزل عن المؤثرات الثقافية الأخرى.

ويضيف: بالنسبة لهؤلاء الذين لم يولدوا في بلدهم الثاني ثمة خاصية تكمن في اللاوعي عندهم تجبرهم على إعادة تركيب المعنى في عقولهم بلغتهم الأصلية ثم يصيغونه بلغتهم الثانية، وهذه خاصية فيسيولوجيّة وليست فكرية.

وفي المجمل فإن موضوع الكاتب وأمكنته وعوالمه التي يكتب عنها هي هويته الحقيقية مهما كانت اللغة التي يكتب بها.

من جهته رأى بومدين بلكبير الأستاذ الجامعي والباحث والروائي الجزائري صاحب رواية "زوج بغال" أن هناك بالفعل جدلا صاحب الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأم، وذلك جراء الالتباس حول جنسية ذلك الأدب المكتوب بلغة الآخر وإشكالية هوية تلك النصوص.

ويأتي ذلك على أساس أن اللغة يمكن إدراجها كعامل محدد لهوية النص، فهل اللغة عنصر محايد ولا تعدو أن تكون مجرد أداة أو وسيط بين صاحب النص والقارئ أينما كان؟ هذا الجدل يعلو ويخفت من حين لآخر لكنه لم يتوقف، خصوصا لدى المجتمعات التي تعرف ازدواجية لغوية أو تنوعا لغويا.

انقسامات المجتمع والثقافة
وبسؤال الجزيرة نت عن الأسباب الكامنة وراء هذا الجدال، قال بلكبير إنه، في غالب الأحيان، تساهم الأيديولوجيا والواقع السياسي المتردي والتاريخ الملغم في إشعال فتيل هذا الجدال، وتحميل الموضوع أكثر من طاقته.

وأضاف أن الأمر الذي يتسبب في شروخ وانقسامات داخل المجتمع تتجاوز الساحة الثقافية، وتقسم أفراد المجتمع إلى تيار معرب وتيار "مفرنس" أو "فركوفوني" كما عرفته الجزائر في مرحلة ما من تاريخها، خصوصا فترة التسعينيات، واللغة السائدة فيها هي لغة التخوين والعمالة، مما أغرق المجتمع في طرفي نقيض بين الأصولية والاستئصالية وأدخل البلد في أتون أزمة معقدة.

حياوي يجد اللغة الرابط الأعمق بين الكاتب وانتمائه (الجزيرة)

منفى ووطن
أما الروائي السوري عمر قدور المقيم في فرنسا، فيرى بأننا اعتدنا على أن اللغة الأخرى هي المنفى بالنسبة للاجئين أو المهاجرين.

ويضيف أن أهم ما يحمله المهاجر إلى المكان الجديد هو لغته التي يصوغ بها حياته الماضية في مكانه الأول، وأول ما يصطدم به اللاجئ هو لغة الآخر، التي تكون أبرز تعبير عن المنفى لأنه لا يعرفها، أو لا يتقنها بما يكفي ليشعر بالانتماء إلى المكان الجديد.

ويستدرك قدور أن المنفى قد يصبح وطنا عندما تحل اللغة البديلة مكان اللغة الأم. وتلك عملية شاقة ونادرة بين الجيل الأول للاجئين، لكن عندما تصبح اللغة البديلة لغة التفكير حقا، بل عندما تصبح هي اللغة التي تأتي بها أحلام الشخص وهو نائم، فذلك يعني أنها أصبحت هي الوطن.

إشكالية الفرنكوفونية
ويعود حياوي فيقول إن الاغتراب أو التناقض الذي يعيشه الكاتب عندما يكتب عن موضوعات مغرقة في المحلية، أي لغة بلده الأول التي ترسخت عميقا في وعيه، واللغة الغريبة أو الجديدة غير المنسجمة بمفرداتها وتكويناتها مع مفردات وتكوينات تلك العوالم.

واستطرد بأن الأمر مختلف لبعض الكتاب المغاربة بسبب الفرنكفونية والتعليم بالفرنسية وتداولها منذ الطفولة حتى الكبر، إذ يتيح لهم التفكير تلقائيا بتلك اللغة، فهم لا يعانون نسبيا من ازدواج في نقطة ما عميقة من عقولهم، حتى لو كان الأمر يحدث في لاوعي الكاتب.

ويبقى الأمر مختلفا تماما للكتاب الآخرين من أصول عربية أو هندية أو لاتينية، الذين قدموا إلى أوطانهم البديلة بعد أن تكوّن وعيهم في بلدانهم الأصلية، وتمكنت من عقولهم آلية اشتغال اللغة الأصلية في لاوعيهم، حتى لو أنهم يكتبون بلغات ثانية.

غنيمة حرب
وافق بلكبير على طرح حياوي، وقال إن الساحة الثقافية الجزائرية عرفت بالازدواجية اللغوية، فهناك جيل يكتب بالفرنسية، وهناك من يكتب بالعربية، كما أن هناك من يكتب باللغتين في ذات الوقت أو ينتقل من لغة لأخرى.

وفي العقود الأخيرة، هناك من أصبح يكتب بالإيطالية أو الإنجليزية وغيرها من اللغات الحية، لكن هناك فئات تنتمي إلى الوسط الثقافي تعتبر أن الأدب المكتوب بالفرنسية لا يصنف على أنه أدب جزائري، إنما تلك المنجزات تنتمي للأدب الفرنسي.

ومن زاوية أخرى، هناك من يرى أن تلك النصوص الأدبية لها هوية، والدليل أن الرواية الجزائرية ساهمت في التعريف بقضية شعب وقع تحت نير الاستعمار الفرنسي، لذلك فهي تعتبر أدبا جزائريا مكتوبا بالفرنسية كما الأدب الجزائري المكتوب بالعربية.

وبسؤاله عن رأي النقاد الفرنسيين حول هذا الجدل، قال بلكبير إن أبرزهم يرفض انتماء تلك الأعمال الأدبية إلى بلدهم، إذ يعتبرون أن الروايات التي كتبها أدباء جزائريون بالفرنسية تدخل في مصاف الأدب الأجنبي الذي يختلف جملة وتفصيلا عن الأدب الفرنسي.

ورأى قدور أن النص المكتوب باللغة الجديدة ينتمي إليها قبل أي اعتبار آخر، وكاتبه يوجهه إلى قارئها في المقام الأول لأن القارئ مضمر في النص منذ الشروع بكتابته، معتبرا أن هناك روايات عربية تدور في بلدان أوروبية وبقيت تحتسب على الرواية العربية لا على مكانها أو شخوصها، وفي المقابل ثمة روايات بالعربية نفسها يضع كاتبها القارئ الغربي في حسبانه قبل العربي.

المصدر : الجزيرة