وزراء وأدباء ومؤرخون يوثقون حراك الجزائر الملهم

حراك الجزائر شكّل لحظة إلهام فارقة للإبداع (الجزيرة)
حراك الجزائر شكّل لحظة إلهام فارقة للإبداع (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر


منذ فجر الانطلاقة الأولى في 22 فبراير/شباط الماضي، شكلّ حراك الجزائر لحظة إلهام فارقة للإبداع، حيث أبانت أنامل الرسّامين عن صور فنيّة ساحرة، وتفتقت قريحة الشعراء عن قصائد وطنية عصماء، مثلما صنع المتظاهرون ملاحم فائقة الإنسانية ونسجوا شعارات ومشاهد مبهرة في التعبير السياسي.

واستعدادا لمعرض الجزائر الدولي للكتاب المرتقب أواخر الشهر الجاري، آثرت مجموعة بارزة من المثقفين الجزائريين، من كتاب ومؤرخين وإعلاميين وباحثين، أن تكون وقائع الحراك الشعبي، بأحداثه وأفكاره ومطالبه وآفاقه، مادة لعناوينهم الجديدة، حيث حملت في مجملها اسم "الحراك"، مع إضافات فرعية بحسب زوايا المعالجة لكل مؤلف.

مسؤولية المثقف
وقال الوزير السابق للثقافة محيي الدين عميمور عن دافع الكتابة في الموضوع إنّ "المثقف الوطني لا يستطيع أن يظل مكتوف اليدين أمام أحداث بلاده، وخصوصا عندما يُحس بأن هناك من يحاولون تدمير ما ساهم في بنائه عبر نحو نصف قرن بعد أن ساهم ولو بجهد ضئيل في تحريره".

وصرّح للجزيرة بأن "الفراغ الثقافي التنظيمي هو واقع مرير لا يبقى أمامه إلا المواجهة بالجهد الفردي، وهو ما تضاعف مع الحراك الشعبي الرائع، وخصوصا عندما بدأ منْ يحاول ركوب موجته أو تحريف وجهته".

وتابع "كتبت أكثر من مقالين أسبوعيا، سأجمعها في كتاب لن أذيع عنوانه إلا بعد الانتهاء من إعداده".

من جهته، أكد الشاعر عمر أزراج أنّ كتابه "يوميات الحراك الشعبي" ليس صدى أو مجرد تغطية مهنية للانتفاضة التي تشهدها الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي، بل هو مواصلة لانخراطه في نقد الأوضاع الجزائرية على مدى 34 سنة من وجوده ببريطانيا في الإعلام الدولي.

وأوضح للجزيرة، بخصوص التوجه العام لمحتوى الكتاب، أنه نقد لعطالة الأحادية في التجربة السياسية الجزائرية، بالنظر إليها كإعاقة ثقافية وفكرية وأخلاقية بالدرجة الأولى، وكنتاج وعرض لإفلاس رهان النظام الجزائري على الرأسمالية اللقيطة التي ما فتئت تخلخل وتحطم مفاصل المجتمع.

وجهة نظر
من جانبه، اعتبر المؤرخ أرزقي فراد كتابه "في ظلال الحراك الشعبي" وثيقة هامة قدم فيها وجهة نظره إزاء هذا الحدث الذي يعدّ منعطفا كبيرا في تاريخ الجزائر المعاصرة.

وقال للجزيرة "من الطبيعي أن أحتضن ثورة 22 فبراير السلمية بصفتي مواطنا طالما حلمت بالتخلص من منطق دولة الأشخاص للانتقال إلى دولة المؤسسات الديمقراطية".

وتابع "شاركت في المسيرات الصاخبة في العاصمة الجزائرية حضوريّا، وساهمت في تمجيد هذه الثورة عن طريق مرافقتها بمقالات أسبوعية، ومن ثم جاءتني فكرة جمعها في كتاب يقدم للأجيال وجهة نظري بوصفي مؤرخا ومثقفا في الحدث".

وبدوره، شدّد الإعلامي محمد بوعزارة على أن أي سياسي أو مثقف لم يتفاعل مع الحراك في الجزائر فهو يعيش على هامش الأحداث. وأضاف "لقد أيقظ حراك الشعب كل السواكن، فكيف لا أتفاعل مع هذه الثورة الشعبية، أنا جزء من هذا الشعب الثائر، فكيف أنسلخ عنه و لا أعبر عن حراكه و طموحاته و همومه؟".

وعن مضمون كتابه "من الصعلكة السياسية إلى الحراك الشعبي"، قال بوعزارة إنه رصد لمسارات الحراك الجزائري منذ انطلاقته، وهو أيضا تنبيه لكل من يريد قيادة هذا الشعب مستقبلا بأن يَحذر في ممارساته و سلوكاته من أن يسيء القيادة، ومن أن يُحوِّل الأخلاق السياسية إلى صعلكة قد تكون آثارها في النهاية مدمرة.

كتابة انطباعية
غير أن الباحث في الفلسفة بومدين بوزيد يتصور أنّ أغلب تحليلات "الحَراك الجُمعي" هي انطباعات وشهادات، أو محاولة سوسيولوجيّين من الجيل الثاني في الجزائر إسقاط تحاليل سابقة لأحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 على هبّة شعبية أخذت منعطفا أيديولوجيا، أو هي قراءة وفق تصوّرات موروثة عن التغيير والثورة.

وأوضح للجزيرة أن الصّفة المُنبهرة تضفي العاطفة والحماس على نصوصٍ هي أقرب إلى "الكتابة الإعلامية الانطباعية"، وقال إنّ الحدث التاريخي يتميّز بالزخم والتغيير السريع وتجاوز المتعارف عليه في القوانين التاريخية والاجتماعية، ومن هنا التنظير والتفكير فيه بعلميّة يأتي بعد "الحدث اللاّمتوقع"، حيث كانت معظم النظريات الاجتماعية والسياسية تأخذ زمنا تاليا للفهم والتأويل.

ومع ذلك، يؤكد أنها قد تؤسس لمعرفة علمية تتجاوز الذاتية والاصطفاف الانتهازي، كما تشكل مادة خامّة لمعرفة اجتماعية وسياسية ونفسية لفهم الشّأن الجزائري، تستلهم التطورات المنهجية في دراسة الثورات والانتفاضات.

ويقول مراقبون إن مرحلة حكم بوتفليقة أدت لتصحر الساحة الثقافية في الجزائر وخفوت صوت الإبداع، ومع أن الحراك لم يعرف قيادة المثقفين "الطليعية" فقد شهد مشاركة بعضهم مع الشارع سواء في حضور الفعاليات الجماهيرية أو مواكبته بالكتابة والإبداع.

المصدر : الجزيرة