تناقضات ليبرالي مصري.. علاء الأسواني تحت مجهر "فورين بوليسي"

الأسواني ألهم الثوار لكنه تحمس لاحقا للإطاحة بحكم الرئيس مرسي قبل أن يصاب بخيبة أمل من حكم العسكر (غيتي)
الأسواني ألهم الثوار لكنه تحمس لاحقا للإطاحة بحكم الرئيس مرسي قبل أن يصاب بخيبة أمل من حكم العسكر (غيتي)

في العام 2011 صنفت مجلة "فورين بوليسي" الروائي المصري علاء الأسواني كواحد من 100 مثقف اعتبرتهم الأكثر تأثيرًا في العالم. وجاء الاختيار على خلفية رواياته ونشاطه السياسي، حيث ساهم في تأسيس حركة "كفاية" المعارضة للفساد ونظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

وأشادت المجلة الأميركية بمقالات الأسواني التي ألهمت الثوار المصريين في ميدان التحرير، واختارته صحيفة "التايمز" البريطانية في العام نفسه كواحد من أهم خمسين روائيًّا في العالم تُرجمت أعمالهم إلى اللغة الإنجليزية خلال الخمسين عاما الماضية.

وأصدر الأسواني روايته الشهيرة "عمارة يعقوبيان" التي اعتبرها شاهدا على تاريخ مصر الحديث واشتملت على نقد اجتماعي وسياسي عميق، ورواية "نادي السيارات" التي تناول فيها حقبة أربعينيات القرن العشرين، منوهًا بقضايا الكرامة والحرية والعدل في المجتمع المصري.

الليبرالية المصرية
لكن مقالا حديثا للكاتب دانيش فاروقي -وهو باحث زائر في مركز جامعة روتجرز لدراسة الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان- في مجلة "فورين بوليسي" ذاتها، تعرض بالنقد للروائي المصري واعتبره مثالا لتناقضات الليبرالية المصرية المعاصرة.

وفي مقاله يشيد فاروقي بدعم رموز ثورة 25 يناير لموجة الاحتجاجات الأخيرة ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والحماسة الواسعة لرجل الأعمال محمد علي الذي أشعلت انتقاداته بالفيديو الفتيل الذي أثار هذه الموجة الجديدة من الاضطرابات الثورية، مشيرا إلى الأسواني الذي اعتصم في ميدان التحرير يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، ومعتبرا أن الاحتجاجات الأخيرة المعارضة للسيسي تمثل لحظة تاريخية.

وكان الأسواني قد كتب مؤخرا مقالا افتتاحيا للنسخة الألمانية من "دويتشه فيله" شارحا للمحتجين كيف يمكنهم تجنب الأخطاء التي ارتكبت خلال الانتفاضة السابقة، ومشجعا الحركة الجديدة على الالتزام بنضالها حتى تحقق أهدافها، وانتخاب قيادة واضحة، ورفض الحلول الوسط. 

تناقضات عميقة
لكن فاروقي يرى أن استدعاء الخطاب الثوري مرة أخرى من قبل الأسواني يلقي الضوء على تناقضاته السياسية، ومفارقات من أسماهم "الليبراليين العلمانيين المصريين" الذين ناضلوا بشجاعة من أجل الديمقراطية وسيادة القانون الليبرالي في مصر، لكنهم تخلوا عن التزاماتهم في الفترة التي قادت إلى أحداث 3 يوليو/تموز 2013 عندما أطاح الانقلاب بالرئيس المنتخب ديمقراطيا الدكتور محمد مرسي.

وأبدى معظم هؤلاء حماسا للانقلاب العسكري الذي أجهض التجربة الديمقراطية القصيرة في مصر، بينما دعم كثيرون مجزرة أغسطس/آب 2013 التي قتل فيها نحو ألف محتج أثناء اعتصامهم السلمي في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، حسب مقال "فورين بوليسي".

ولم يكن الأسواني استثناء من هذه التناقضات بحسب فاروقي، فبينما كان متصالحا مع مشاركة الإخوان المسلمين في العملية الديمقراطية عام 2011، ومتعاطفا معهم في حقبة مبارك رغم اختلافه الأيدولوجي مع أجندتهم، فإنه مع تقدم الثورة، تضاءلت لديه هذه المشاعر، وأصبحت مواقفه تزداد خصومة تجاه الإخوان.

وبدا أن الأسواني فقد الثقة في العملية الديمقراطية بحسب فاروقي، فقد قدم بحماسة دعمه لإزاحة مرسي بالقوة عبر الانقلاب العسكري، معتبرا صعود السيسي صفقة رابحة للحفاظ على أهداف ثورة 2011. وأضاف مقال المجلة الأميركية "بالنسبة للأسواني، كانت مذبحة رابعة خطوة تصحيحية لا مفر منها".

مواقف مرتبكة
وبحسب المقال، لا يمكن فصل انتقادات الأسواني الشجاعة والمثيرة للإعجاب للسيسي خلال الأيام القليلة الماضية عن هوسه بالتهديد المفترض للإخوان المسلمين على المجتمع المصري، مما دفعه إلى دعم انقلاب يوليو/تموز 2013 وصعود السيسي في المقام الأول.

وانتقد الكاتب رد فعل الأسواني على وفاة الرئيس السابق لمصر محمد مرسي في محبسه، فبينما اعترف بمسؤولية النظام عن الإهمال الطبي تجاه مرسي في محبسه، استمر في ترديد نفس النغمة عن الإخوان كجماعة إرهابية خائنة، كأنه يحملها المسؤولية عن مقتل الرئيس الراحل.

وفي مقالته الأخيرة، يشرح الأسواني سبب دعمه للجولة الأخيرة من الاحتجاجات بشكل خاص، نظرًا لأن سياسات السيسي فشلت في توفير الأمن الاقتصادي الأساسي لحياة المصريين اليومية، مشيرا إلى الفقر المدقع الذي حدث للمواطن "المستقر" كأكبر ضحية لحكم السيسي، بصرف النظر عن طموحات الحرية والديمقراطية.

مراجعة الذات الليبرالية
لكن الكاتب يعود ويضيف أن هذا الموقف لا يتجاوز حقيقة أن الأسواني كان يدعم السيسي عام 2013، ليس فقط رغبة في الاستقرار الاقتصادي، ولكن أيضاً للحفاظ على أهداف ثورة يناير. ولا يقدم موقف الأسواني -حسب الكاتب- أي مراجعة حقيقية للذات.

ورصد دانيش فاروقي -إلى جانب نخبة من الخبراء في دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية والفلسفة والدراسات الإسلامية والقانون- ما اعتبروه "فشل الليبرالية المصرية بطريقة كلية" في كتاب "مصر وتناقضات الليبرالية.. الذكاء غير الليبرالي ومستقبل الديمقراطية المصرية"، وناقشوا سلوك تيار عريض من الليبراليين المصريين الذين تبنوا مواقف "غير ليبرالية".

ويتناول الكتاب المتعدد التخصصات قضايا مثل العلمانية والحركة النسوية وحقوق الإنسان، ويناقش حالة الليبرالية المصرية في علاقتها بالدولة وإخفاقها في تنمية المجتمع المحلي، إضافة إلى تناقض الليبراليين في دعم الاستبداد الذي ناهضوه في عهد مبارك ودعموه فيما بعد رغم تبنيهم للفلسفة الليبرالية في الوقت ذاته.

المصدر : الجزيرة