يمينيون وليبراليون وعرب وأتراك.. الصراع الفكري على الإسلام في ألمانيا

جامع ديتيب الكبير بمدينة كولن (ويكي كومون)
جامع ديتيب الكبير بمدينة كولن (ويكي كومون)

                                                                                       عارف حمزة-هامبورغ

لم تمر ذكرى مرور مئتي عام على صدور "الديوان الشرقي للكاتب الغربي" مرور الكرام في ألمانيا، لأنّ مؤلفه غوته (1749-1832) يُعتبر من أعظم الشعراء الألمان من جهة، ويعتبر ديوانه (1919) آخر أعماله الشعريّة التي رفعت غنائيّتها الروح الصوفيّة الإسلاميّة.

ولم تتأثر تلك الذكرى بصعود اليمين المتطرف لأن المؤلف الذي كتب أعمالاً خالدة تأثّرت في بعض جوانبها بالإسلام وروح التصوّف كان يسهر "ليلة القدر" في شهر رمضان الفضيل ليحصل على تلك التجليات الروحية، وهو القائل في ديوانه "إذا كان الإسلام هو الاستسلام لإرادة الله فأنا مسلم". 

فهل كان وجود غوته في الوقت الراهن سيسبب له انتقادات وهجوماً في زمن كبرت المخاوف في ظل تزايد النزعات اليمينية والمنظمات المناهضة للإسلام، وتصدت لها في المقابل أصوات وتصريحات أخرى كثيرة تعتبر أن "الإسلام جزء من ألمانيا".

وقبل أسابيع صدر كتاب بعنوان "الإسلام.. عدو أم صديق؟" الذي يقدم "38 حجة ضد الهيستريا" المتصاعدة ضد الإسلام، وينتقد مؤلفاه مونيكا وأودو توروشكا من ينشرون الفزع و"البروباغندا" الرخيصة أكثر من تشريح الأمور وفهم الإسلام. ويقدم الكتاب الإسلام بوصفه دينًا عالميًّا لا أيديولوجيا سياسية، وينتقد المؤلفان "الأساس المعرفي والأيديولوجي للمحاولات الإسلامية وللحملات المعادية للإسلام".

غلاف كتاب "الإسلام عدو أم صديق؟" 2019 (الجزيرة)

وفي خضم ما يمكن تسميته "الصراع الفكري على الإسلام" تبرز ظاهرة "تحويل الإسلام من دينٍ ومعتقدٍ إلى أيديولوجيا وهوية" وفق تعبير الكاتب والأكاديمي السوري المقيم بألمانيا حسام الدين درويش الذي قال للجزيرة نت "هناك محاولات لمَسْحنة الدولة الألمانية، والثقافة الألمانية، والشعب الألماني" من خلال إبراز البعد الديني المسيحي فيهم، وإظهار "أجنبية الإسلام" وعدم انتمائه إلى ما هو "ألمانيٌّ".

وعلى هذا الأساس، يمكننا فهم النقاش الحامي الوطيس هناك حول ما إذا كان "الإسلام جزءٌ من ألمانيا أم لا".

وأوضح درويش أنه على غرار السجال الدائر بالعالم العربي والإسلامي، هناك عدة اتجاهات تتصارع حول تحديد ماهية الإسلام وتوصيفه وتقييمه، يمكن تلخيصها في اتجاهين: القائلون بفاشية الإسلام وبالتناقض بين قيمه وتعاليمه وقيم للحداثة (الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان) والقائلون بليبرالية الإسلام وانفتاحه الكبير على الاختلاف، وتقبله لقيم الحداثة والديمقراطية والحريات الفردية.

ويرى درويش أن أبرز ممثلي الاتجاه الأول هو حامد عبد الصمد الذي يقول في كتابه "سقوط العالم الإسلامي" (2016) إن "ما نراه في عالمنا الإسلامي ليس حالة صراعٍ للثقافة العربية والإسلامية كما يزعم البعض، وإنما حالة احتضار للثقافة العربية والإسلامية".

أما أبرز ممثلي الاتجاه الثاني فهي سيران أطيش التي كانت صاحبة مشروع افتتاح مسجد ابن رشد-غوته الليبرالي عام 2017 بالعاصمة برلين. والمسجد مفتوح للرجال والنساء، وللمحجبات وغير المحجبات، وللمسلمين من كل الطوائف والمذاهب، والإمامة فيه يمكن أن تكون للمرأة أو الرجل، وفق درويش.

درويش: هناك عدة اتجاهات تتصارع حول تحديد ماهية الإسلام (مواقع التواصل)

وبسؤاله عن ما يجمع ويفرق هذين التيارين، قال درويش "إن ما يؤخذ على هذين القطبين
ثقافتهما وتطرفهما" وأحادية فهمهما للإسلام. فكلاهما يعتقد أن تخلف العالم الإسلامي أو انحطاطه أو سقوطه إنما حصل لأسبابٍ فكريةٍ تتعلق بالدين وقيمه وفهمه وتأويله.

في حين يرى أصحاب الاتجاه الأول أن "سقوط العالم الإسلامي واحتضار ثقافته" حتميٌّ، يعتقد أنصار القطب الثاني بوجود إمكانيةٍ فعليةٍ لقيام فهمٍ أو تأويلٍ معاصرٍ إيجابيٍّ للدين يجعله منسجمًا مع الحداثة السياسية والاجتماعية والأخلاقية وقيمها الإيجابية المعاصرة.

فالتيار الأول لا يرى في الإسلام إلا ما هو سلبيٌّ، ويقصي أي إمكانيةٍ لوجود تأويلاتٍ إيجابيةٍ مختلفةٍ لهذا الإسلام. فلا فهم إلا فهمه، وكل ما عدا ذلك مجرد كذب أو خطأ أو مغالطة أو ما شابه.

ليبراليّة إسلاميّة
أما متبنو فكرة "الإسلام الليبرالي" فيرون أن إصلاح الإسلام ولبرلته ممكنٌ، بل وواجبٌ أيضًا، ويشدِّدون على أن كل فهمٍ كلاسيكيٍّ غير ليبراليٍّ للإسلام إنما هو فهمٌ مغلوطٌ لا يتوافق لا مع روح الإسلام ولا مع روح أو متطلبات العصر الراهن.

ويرى درويش بأنه "على العكس من أنصار القطب الأول الذين يستندون في مزاعمهم ورؤيتهم للإسلام إلى قراءة منهجيةٍ ما للنصوص الدينية والتاريخ الإسلامي، يبدو الإسلام الليبرالي مرتبطًا بأفرادٍ ذوي نياتٍ طيبةٍ وغاياتٍ نبيلةٍ، بدون أن يرتكز على أي عملٍ فكريٍّ ومؤسساتيٍّ واضحٍ ومتينٍ".

معهد وأكاديمية
وعلى المستوى التنظيمي والثقافي للجالية المسلمة، يرى البعض أن المعهد الثقافي العربي ببرلين لا يقدم منذ عامين على إنشائه سوى معارض فنية وحفلات موسيقية ومباريات كرة قدم. في وقت تم إغلاق أكاديمية الملك فهد في بون عام 2016، وهو ما لاقى صدى إيجابياً لدى الإعلاميين والباحثين بعدما تم الكشف عن أن الأكاديمية تنشر الفكر الديني السلفي وتدعو إلى معاداة الغرب. 

ويُعد المجلس الأعلى للمسلمين إحدى أهم المنظمات، ويضم عشرة آلاف عضو فقط من 3.5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا. وهذا الرقم دليل كبير على قلّة فعالية هذا المجلس فكرياً وثقافياً، إذ يستغرق عمله في إصدار البيانات.

أتراك وسوريون
ويعتبر الأتراك (ثلاثة ملايين شخص) من أكبر الجاليات الإسلاميّة هناك، ويتوقع أن يصبح السوريون الجالية الأكبر خلال أعوام قليلة فقد وصل عددهم خلال خمس سنوات إلى مليون نسمة.

وتبدو الجالية السورية بالرغم من حداثة عهدها وضعفها اقتصادياً -بالمقارنة مع الأتراك- أكثر نشاطاً من الناحية الفكرية والثقافية. فقد ساهمت شخصيات سورية في صدور جريدة "أبواب" الورقية بالعربيّة والألمانيّة ومجلة "فن" الإلكترونية.

وأصدر كتاب سوريون مجموعات شعرية وروايات وكتبا فكرية لاقت ترحيباً نقدياً بالإعلام الألماني، بالإضافة لتنظيم محاضرات نقدية وفكرية. ومع ازدياد هذه الجالية قد تأتي الفرصة في تعديل قواعد الصراع الفكري حول الإسلام بألمانيا.

المصدر : الجزيرة