شعر الومضة والتأمل.. "الهايكو" العربي يُفشل رهانات النقاد ويتجه من اليابان للمغرب والعالمية

شعر الهايكو انبثق من صميم التواصل الثقافي العربي الياباني مطلع القرن الماضي (مواقع التواصل)
شعر الهايكو انبثق من صميم التواصل الثقافي العربي الياباني مطلع القرن الماضي (مواقع التواصل)

صدام أبو مازن

في إحدى ليالي عام 1694، وبينما كان معلم "الهايكو" الأول الشاعر الياباني ماتسوو باشو (1644-1694) يلفظ أنفاسه الأخيرة، وحيداً في حلكة الليل، شارفت روحه على إطلاق شهقة موت أخيرة، لكنه أخذ ورقة سقطت لتوها من شجرة وكتب عليها:

مريض وقت ترحالي

وأحلامي تتجول طافيةً

في الحقول الذابلة. 

كفراشة حلقت راقصةً وغابت لتوها، اجتاز الهايكو في وهلة ما حدود اليابان نحو جغرافيات عالمية مترامية، من بينها جغرافيا الشعر العربي الذي عرف عنه انفراده بالمطولات والقوافي، مما خلق جدلا حول مشروعية هذا الشكل الشعري الحديث، الذي لم يستسلم لأطروحات النقاد (الذين هاجموه في بواكيره)، والحسّاد (الذين اعتبروه فنا قصصيا بكلمات أقلّ).

الهايكو العربي
يفيد الشاعر المغربي سامح درويش بأن وجود الهايكو في الشعرية العربية هو إحدى ثمار التواصل الثقافي العربي الياباني الحديث الذي بدأ منذ مطلع القرن الماضي، وتعزز في أواسط ستينياته عبر الرحلات والترجمات والبحوث والدراسات التي تعنى بالعلاقة بين المجالين العربي والياباني.

ويقول درويش للجزيرة نت "شعر الهايكو العربي انبثق في صميم هذه المثاقفة العربية-اليابانية"، باعتباره يمثل علامة مسجلة في الثقافة اليابانية، التي لا يمكن التفاعل معها من دون استحضار هذا اللون الشعري المدهش. 

هناك ترجمات للهايكو الياباني والعالمي إلى اللغة العربية أنجزها عدد من المترجمين العرب (مواقع التوااصل)

البداية في الستينيات
شهدت ستينيات القرن الماضي أولى محاولات الهايكو العربي، بدءا بتوقيعات الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، وبرقيات الشاعر السوري نزار قباني، وتأملات الشاعر وعالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي، مرورا بتجارب الكتابة على نمط الهايكو أو على أنماط أخرى قريبة منه ومستلهمة إياه، مثل تجربة كل من عدنان بغجاتي وشاكر مطلق وعاشور فني وعز الدين الوافي وعذاب الركابي وغيرهم.

وهناك ترجمات للهايكو الياباني والعالمي إلى اللغة العربية -لا سيما في العقود الأخيرة- تم تقديمها وإنجازها من قبل عدد من المترجمين العرب، منهم عبد الكريم كاصد ومحمد عضيمة ومحمد الأسعد وجمال مصطفى، وصولا إلى التجارب الجديدة منذ بداية الألفية الثالثة، التي غطت مختلف الأقطار العربية تقريبا، وهي أسماء كثيرة، وفقا لسامح درويش.

خصوصية عربية
يعتقد الشاعر سامح درويش -الذي يعد واحدا من أهم كتاب الهايكو العربي المعاصرين- أن الهايكو العربي لن يكون له موقع ولا معنى ما لم يمتح من ثقافتنا وأرصدة شعبنا العربي؛ الرمزية والجمالية، ليلتحم بالثقافة الإنسانية، ليس كنسخة مكرورة، بل كاقتراح جمالي من ثقافة لها خصوصياتها وصيغها الروحية والمعرفية.

من وجهة نظر سامح درويش، تتمثل أهم خصوصيات الهايكو العربي في وجود نفحة غنائية وجرعة من المجاز، وحضور ذات الشاعر بشكل أقوى من باقي تجارب الهايكو عبر العالم، يضاف إلى ذلك الخروج على التوزيع الإيقاعي المعروف في اليابانية (5/7/5) نظرا لخصوصية اللغة العربية. 

البساطة والآنية
يؤكد سامح درويش أنه لا بد من الإبقاء على روح الهايكو المتمثلة في البساطة والآنية، والتنحي المرهف لذات "الهايكيست" (شاعر الهايكو)، والتحلل من زخارف البديع، دون إهمال روح البلاغة المتجددة أيضا، بما يحافظ على هوية الهايكو التعبيرية بالجوار من أشكال شعرية مماثلة لكنها مختلفة، مثل الومضة والشذرة الشعريتين، بل وحتى القصة القصيرة جدا التي يمكن أن تعطي الانطباع أحيانا بأنها هايكو، لكن شتان بين هذه وذاك؛ فللهايكو مقوماته الفنية والجمالية التي تختلف كثيرا عن مقومات وجماليات القصة القصيرة جدا.

إحباطات الربيع العربي
أضحى الهايكو العربي يستقطب عددا هائلا من الأصوات الشعرية، خاصة الأجيال الشابة التي عاشت إحباطات ما سمّي الربيع العربي.

ويقول درويش في ذلك "الأمر يبدو لي مؤشر سلامة شعرية وفنية، في أفق تجاوز تمجيد الذات بشكل كابح للإبداع وارتياد آفاق جديدة للتعامل مع مأزق الشعرية العربية"، علما أن تاريخ الشعر هو تاريخ مآزق بامتياز، فقط ينبغي أن يظهر في مشهدنا النقدي جيل جديد من النقاد لتتبع وتقويم ومواكبة ما يتم إنتاجه.

اشتراطات
ثمة الكثير مما يُكتب في مشهدنا الشعري العربي اليوم تحت مسمى الهايكو، غير أن سامح درويش ينوه إلى أنه لا بد من التمييز بين فئات ثلاث: الأولى تتمثل في أولئك الذين يحاولون كتابة الهايكو وفقا لقواعده واشتراطاته الجمالية المتعارف عليها، بل ويتوقون إلى التجريب داخل هذه القواعد والاشتراطات، وهم من يستطيعون مضاهاة شعراء الهايكو الحقيقيين في الشعريات الأخرى، وهم أيضا إما أتوا إلى الهايكو من تجربة وخبرة شعرية سابقة، أو جاؤوا إليه من تجارب إبداعية أخرى.

والفئة الثانية هم من يعتقدون أن الهايكو هو تلك الأسطر الثلاثة –ومن بينهم شعراء لهم أسماؤهم- فتبتعد قصائدهم عن الهايكو لتنتمي إلى أشكال شعرية قريبة من الهايكو من حيث التكثيف، مثل الشذرة والومضة والحكمة وغيرها من الأنواع الأدبية القصيرة.

ويسهم هؤلاء في خلط أوراق هذا النوع الشعري، ويشكلون ذريعة لمن يرفضون وجود الهايكو ضمن رقعة الشعرية العربية.

أما الفئة الثالثة فهي تلك المحاولات التي تقوم بها فئات عريضة من الشباب على سبيل اكتشاف هذا اللون الشعري والاقتراب من عوالمه وتقنياته.

هنا يرى درويش أنه "في إقبال هذه الفئة على تجريب كتابة الهايكو أمر إيجابي، على اعتبار أن اللغة هي في النهاية ملك عام يتاح التعبير به للجميع، وأن كتابة وتذوق الهايكو قد يشكلان مدخلا للاقتراب من الشعر عموما"، وبالتالي فإن ذلك يسهم في استعادة الشعر العربي جمهوره، بحال أو بأخرى.

لم يعد يابانيا
الهايكو اليوم لم يعد يابانيا فقط، بل أصبح لونا شعريا عالميا، في مختلف الشعريات عبر العالم، ويظل الهايكو بخصائصه العالمية قاسما مشتركا بين هذه الشعريات، وإن كان ثمة ما يميز تجربة هايكو عن أخرى فهو -وفقا لدرويش- بالدرجة الأولى ما يميز ثقافة عن أخرى من حيث تفاصيل ومظاهر الحياة وطرائق التصرف والتفكير، أي أن كل هايكو يعكس مجتمعه، أما في ما يخص تقنيات كتابة الهايكو فتكاد تكون مشتركة إلا في ما يتعلق بالإيقاع وتفاوت حضور هذه التقنيات بين تجربة وأخرى. 

ندوة طوكيو
منتصف سبتمبر/أيلول 2019، استضافت جمعية هايكو العالم -مقرها طوكيو- بقيادة الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي نحو خمسين من شعراء الهايكو من بلدان العالم، ضمن "ندوة هايكو العالم" التي تنظم كل سنتين.

وأقر المشاركون في التظاهرة اختيار المغرب لاحتضان الدورة القادمة لندوة الهايكو العالمية سنة 2021.

هذا الاختيار وإن كان يتناغم مع حركية الهايكو بالمغرب فإنه في الأول والأخير اختيار للخريطة العربية كلها، كما يقول الشاعر المغربي سامح درويش الذي مثّل الوطن العربي في ندوة طوكيو مع الشاعر والمترجم العراقي المقيم بإنجلترا عبد الكريم كاصد، في حين تعذرت مشاركة شاعر عربي ثالث هو السوري المقيم باليابان محمد عضيمة لأسباب شخصية.

تظاهرة عالمية بالمغرب
في 2021، سيجتمع شعراء الهايكو من أنحاء العالم في الدار البيضاء المغربية، لإحياء الدورة 11 لجمعية الهايكو العالمية.

سيكون الحدث كبيرا ومحفزا للتجربة "الهايكوية" العربية، حين تلتئم ندوة عالمية للهايكو في ضيافة نادي هايكو موروكو بالدار البيضاء (أول ناد عربي للهايكو يرأسه سامح درويش، وتم إشهاره مطلع 2019).

هذا الحدث سيعد اعترافا بالهايكو العربي وتكريما لمسيرته، كما أنه مناسبة لتوسيع دائرة تفاعل الهايكو العربي مع نظرائه عبر العالم -وفقا لسامح درويش- وفرصة للتعبير عن حضور شعرية عريقة ضمن شعريات العالم.

وبالتالي يمكننا القول إن الهايكو العربي استطاع أن يلفت إليه الانتباه، وهو يستطيع في المستقبل أن يشكل مدخلا للتعريف بالشعرية العربية برمتها، خاصة أنه (الهايكو) لا يدعي أنه بديل لأي نوع شعري آخر بقدر ما هو إضافة نوعية يمكن أن تثري الشعرية العربية، وتسهم في تحديثها، وتفتح آفاقا جمالية جديدة أمامها.

هايكو موروكو
في 16 فبراير/شباط 2019 تأسس "نادي هايكو موروكو" بمبادرة من ثلة من شعراء الهايكو والمهتمين به بالمغرب بمدينة الدار البيضاء، وهو إطار ثقافي جديد يعنى بتنمية الفعل الثقافي والفني من خلال الاهتمام بشعر الهايكو، ويفتح نافذة في وجه كل المهتمين بهذا اللون الشعري.

هايكو البحر
وباعتبار أن شعر الهايكو أضحى يشكل أفقا ممكنا للإسهام في إثراء الشعرية العربية وانفتاحها، كما أضحى جسرا ممكنا لحوار الشعريات والثقافات الإنسانية عبر العالم، فقد تضمن القانون الأساسي لنادي هايكو موروكو أهدافا تتوخى إعداد وتنفيذ برامج ثقافية متنوعة كالمحاضرات والندوات والملتقيات والمهرجانات والمسابقات وتنظيم معارض وحفلات ثقافية وفنية ورحلات داخل الوطن وخارجه، وإنعاش وترقية الدراسات والأبحاث الهادفة إلى التعريف بشعر الهايكو وإصدار وتوزيع كتب ومجلات ومنشورات ورقية وإلكترونية تعنى به.

ويعتزم نادي هايكو موروكو يوميّ السادس والسابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 تنظيم ملتقى "هايكو البحر" بمدينة العرائش المغربية.

إصدارات وأنتولوجيات
وغير بعيد، تتزايد أعداد كتاب الهايكو العربي، وبين فترة وأخرى، تضاف للمكتبة العربية مجموعة من شعر الهايكو هنا أو هناك، كما صدرت في الآونة الأخيرة عدة أنتولوجيات خاصة بالهايكو العربي؛ هذا الشكل الجديد والطارئ الذي يمضي واثبا متجاوزا سياط النقد القاسي وحملات الشلل العتيقة من أنصار الكتل الشعرية العربية الأولى، في زمن يتجدد كل برهة وثانية؛ يحتفي بالدهشة، متناغما مع طفرة التكنولوجيا وحتمية تشكلات كتابة توقيعية أكثر خفةً، من بينها وليس آخرها الهايكو.

المصدر : الجزيرة