الدهشة والخيال الحر.. لماذا يعد الأطفال الفلاسفة الحقيقيين في عالمنا؟

ثورة حدثت في فهمنا العلمي للأطفال والرضع وهي ثورة حولت أيضا فهمنا للطبيعة البشرية نفسها (غيتي)
ثورة حدثت في فهمنا العلمي للأطفال والرضع وهي ثورة حولت أيضا فهمنا للطبيعة البشرية نفسها (غيتي)

عمران عبد الله

يرى عالم النفس والفيلسوف السويسري الشهير جان بياجيه (1896-1980) في نظريته للنمو والبناء المعرفي أنه قبل سن 12 من عمر الإنسان يكون معظم الأطفال غير قادرين على التفكير الفلسفي، لأنه قبل هذا الوقت -بحسب بياجيه- يكون الأطفال غير قادرين على "التفكير في التفكير"، وهو نوع من التفكير العميق الذي يميز التفكير الفلسفي.

ومع ذلك، ترى مجموعة كبيرة من البحوث النفسية والفلسفية الحديثة أن فكرة بياجيه تقلل بشكل خطير القدرات المعرفية والفلسفية الهائلة للأطفال.

ويتبنى الفيلسوف الأميركي غاريث ماثيوس وجهة نظر مغايرة تماما، ويسرد في كتابه "فلسفة الطفولة" إمكانات فلسفية مختلفة وكبيرة "للأطفال الفضوليين"، ويرى الطفولة كمجال وزمن للبحث الفلسفي.

ويرى ماثيوس أن بياجيه فشل في رؤية التفكير الفلسفي واضحا لدى الأطفال، مقدما عددا من الأمثلة الواضحة مثل سؤال بسيط من طفل لأبيه مستفهما "كيف يمكننا التأكد من أن كل شيء ليس حلما؟". 

الأطفال والدراسات الحديثة 
في الثلاثين سنة الماضية حدثت ثورة في فهمنا العلمي للأطفال والرضع، وهي ثورة حولت أيضا فهمنا للطبيعة البشرية نفسها.

وتدرس الأكاديمية في جامعة كاليفورنيا الأميركية أليسون جوبنيك بعض الاكتشافات الجديدة وآثارها على طريقة تفكيرنا في الأطفال الصغار وفي أنفسنا.

ولكون البشر لديهم طفولة أطول من أي حيوان آخر، ويعتبرون "أكثر عجزا واعتمادية من أي حيوان آخر" يتساءل البعض: لماذا يبقى الأطفال بلا حول ولا قوة لفترة طويلة؟

الأبحاث التي تستند إليها الأكاديمية الأميركية في كتابها تستند إلى أن أصغر الأطفال لديهم قدرات تعليمية أقوى من قدرات أذكى العلماء وأجهزة الحاسوب (غيتي)

وتجيب جوبنيك في كتابها "الطفل الفلسفي.. ما تخبرنا به عقول الأطفال عن الحقيقة والحب ومعنى الحياة" بأن هذه الفترة مسؤولة عن تشكل وعينا الإنساني الفريد وقدرتنا على التعلم والتخيل والمحبة، إذ تتيح طفولة البشر بما تتضمنه من حماية ورعاية طويلة فرصا للتعلم واللعب والاكتشاف، وهذا ما يتيح لهم التخطيط والعمل كبالغين.

وتشير الأبحاث التي تستند إليها الأكاديمية الأميركية في كتابها إلى أن أصغر الأطفال لديهم قدرات تعليمية أقوى من قدرات أذكى العلماء وأجهزة الحاسوب الأكثر تقدما، وبحسب التجارب والإحصاءات يستخدم الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة ملكاتهم لتخيل طرق جديدة قد يكون بها العالم، ويفهمون أفكارا عن الحب والأخلاق في سن الثالثة أو الرابعة، ويتميزون بصفات دماغية "قد تجعلهم في الواقع أكثر وعيا من البالغين".

فعندما يلعب الأطفال يعرفون أنهم يلعبون فقط، ومع ذلك فإن مجرد اللعب يعد عملا كبيرا كما تقول جوبنيك في كتابها، إذ يمكنهم استكشاف العالم بخيال غير مقيد، وترى جوبنيك أن الانغماس في عوالم "افتراضية مفتعلة" بحرية هو ما يعلمنا كيف نفهم الواقع الحقيقي.

وتصف على سبيل المثال كيف يتمكن الأطفال الصغار من فهم المواقف "المتناقضة" وحساب الاحتمالات البديلة. 

وتناقش جوبنيك أيضا الأصدقاء غير المرئيين (غالبا ما يوجدون في خيال الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و6 سنوات) والذين يبدو أنهم يساعدون الصغار على تعلم كيفية تفسير تصرفات الآخرين، وتعتبر أن الأطفال الذين لديهم أصدقاء وهميون يميلون إلى أن يكونوا أفضل في التنبؤ بأفكار ومشاعر الأشخاص الحقيقيين، في حين لا يصنع الأطفال التوحديون أصدقاء وهميين مطلقا.

وبفضل كتابات مثل عمل جوبنيك وكتاب ماثيوس لم تعد أفكار علماء نفس مثل النمساوي سيغموند فرويد والسويسري جان بياجيه عن الطفولة سائدة.

في المقابل، يرى كثير من الباحثين أن قدرات الأطفال في التفكير الفلسفي عالية للغاية بفضل قدرتهم الواسعة على الخيال، والأهم عدم إمكانية تمييزهم بين الحقيقة والخيال وبين مزيج الدهشة والفضول غير العادي. 

القصص كنصوص فلسفية
وتستخدم قصص الأطفال كأمثلة معتادة في دروس الفلسفة، وبحسب بيتر وورلي مدير مؤسسة الفلسفة البريطانية والباحث الأكاديمي بجامعة كينغز، فإن أسئلة من قبيل "هل الجمال في عين الرائي موضوعي أم ذاتي؟ وهل الحياة تستحق العيش فيها؟ وهل يجب على القائد إخفاء الحقيقة لإنقاذ الأرواح؟ تعد شائعة في دروس الفلسفة وقصص الأطفال على حد سواء. 

ورغم أن القصص تستخدم بانتظام كأدوات تعليمية فإنه غالبا ما يتم التغاضي عن إمكانات التفكير الذي تجلبه معها، مع أن مفتاح التفكير هو استثارة الجمهور، وهو ما تقوم به القصة بكفاءة، بحسب مقال وورلي في صحيفة غارديان البريطانية.

وتفتح القصص المزيد من الخيالات وتثير نقاط التوتر، وتساعد على التفكير في البدائل المتاحة مع وضع مسافة حماية بين الجمهور التي يفكرون فيها.

وهكذا تبدو أسئلة الأطفال البريئة ودهشتهم الفضولية كمادة فلسفية دسمة يحاول الفلاسفة تقديم إجابات عنها، في حين يسائل الأطفال الحياة فلسفيا ببساطة واستمرار وكأنهم فلاسفة هذا العصر وكل العصور.

وتفتح القصص المزيد من الخيالات وتثير نقاط التوتر، وتساعد على التفكير في البدائل المتاحة مع مسافة حماية كافية لمن يفكر ويتخيل.

المصدر : الجزيرة