مراثي العرب وتقاليد الرثاء والندب في المشرق العربي قديما وحديثا

رثى ابن شهيد الأندلسي جامع قرطبة الذي تحول لكاتدرائية (وكالات)
رثى ابن شهيد الأندلسي جامع قرطبة الذي تحول لكاتدرائية (وكالات)

مازن النجار–القاهرة 

كان الرثاء ولا يزال أحد أبرز أغراض الشعر العربي رغم ما مر من تحولات على تقاليده عند شعراء العرب وتعبيره عن الوجدان العربي. ويختزن تاريخ الرثاء والمراثي في الشعر العربي حزمة من الأفكار تعكس ملامح كلية للاجتماعي والديني معا.

يقول خالد فهمي -أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة المنوفية- للجزيرة نت إن قصيدة الفقد أو الرثاء مرت بمراحل أساسية في تاريخ الشعر العربي وهي:

- مرحلة الجاهلية: وفيها كان ارتباط قصيدة الرثاء بموضوع الفقد وخسران الحياة والخوف من العدم في الثقافة الجاهلية بوجه خاص. وهنا ارتبط رثاء الشاعر أو الشاعرة بخوف الهزيمة والتراجع في مضمار القوة. 

- ومرحلة الإسلام: وفيها تطورت قصيدة الرثاء تطورا جذريا وبات الرثاء محل فخر لكل صالح أو شهيد، وحدث غياب تام للخوف من الغياب أو الفقد على خلفية تغير جوهري يتعلق بالنظر إلى الآخرة. 

ويرى فهمي أن مراجعة شعر الشعراء الذين أخلصوا لغرض الرثاء مثل الخنساء بين الجاهلية والإسلام يكشف عن ذلك، بل إن قراءة قصيدة الرثاء ترتبط ارتباطا وثيقا بالمنحى الحضاري.

من ناحية أخرى، تعددت موضوعات الرثاء، عبر التاريخ، حتى بلغت رثاء الأمم والبلاد والدول، يقول أبوالبقاء الرندي في رثاء الأندلس عقب سقوطها: 

لكل شيء إذا ما تمّ نقصانُ .... فلا يُغَرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ 

هي الأيام كما شاهدتها دول .... من سَرّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ 

"بكّاءة" لا شاعرة!
بدورها، تلاحظ ميرال الطحاوي -أستاذة الأدب العربي بجامعة أريزونا- أن خضوع شعرية المرأة لذوق الجماعة واقتصار بلاغتها على الرثاء، لم يمنع تهكم نقاد قدامى على بلاغة النساء في الرثاء، فقد وُصِفت الخنساء بمصادر كلاسيكية مثل "الأغاني"، بأنها مجرد "بكّاءة"، وليست شاعرة بكت فَقْدَ أخيها صخر حتى عميت، بل يفيض رثاؤها بالتفجع والألم حتى تصبح الحياة كلها مساحة لفاجعة لا تنتهي: 

يذكرني طلوعُ الشمسِ صخرًا ... وأذكره لكل غروب شمسِ!  

لكنها لم تبك أولادها الأربعة الذين استشهدوا في معركة القادسية رغم فداحة المصاب، وذلك نظرا لتغير الوجدان تجاه الموت، الذي يعتبر أن الشهادة طريق الخلود والسمو الإنساني.   

بيد أن الشاعر والفارس المخضرم، عمرو بن معد يكرب، في قصيدة تمجد الأخلاق والشجاعة، يعالج موضوع الفقد والموت، في سياق آخر من سنن الحرب والصراع والفناء، بشكل يخلو من التفجع والعدمية ويفيض حكمة وحزنا نبيلا في التعاطي مع الأبدية: 

كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا

ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْتُ ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا

أَلْبَسْتُهُ أَثْوابَهُ وخُلِقْتُ يومَ خُلِقْتُ جَلْدا

أُغْنِي غَناءَ الذَّاهِبينَ أُعَدُّ لِلأَعْداءِ عَدّا

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

ويبقى غرض الرثاء -بحسب خالد فهمي- في ارتباطه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حالة فريدة، إذ انتقل ليؤسس تيارا متمايزا من غرض جديد نشأ بعد البعثة النبوية الشريفة هو المديح النبوي. فقد شكلت المراثي النبوية غرضا مستقلا يحظى بعناية خاصة في تاريخ الشعرية والثقافة العربية.

ولهذه المراثي أو المدائح النبوية تقاليد نلمسها في مدائح شهيرة مثل "البُردة" للبوصيري و"نهج البُردة" و"سلوا قلبي" لأحمد شوقي بل و"القلب يعشق كل جميل" بالدارجة المصرية لبيرم التونسي. فقصيد المديح النبوي يبدأ بالنسيب أو الغزل شأن قصيدة الشعر الجاهلي، ثم يتدرج إلى ذم الهوى والزهد في الدنيا بحثا عن الحب الحقيقي: حب الله ورسوله وهكذا. 

رثاء تحرري حديث
فإذا انتقلنا إلى العصر الحديث سنجد تحولا جذريا في شعر الرثاء يكثف الشعور الوطني والانتماء الديني والحضاري ويهجو الاستعمار والاستبداد ويواكب حركة التحرر العربية، كما في قصائد محمد مهدي الجواهري وأحمد شوقي ("شاعر الوطنية والإسلام" كما لقبه كاتب سيرته أحمد الإسكندري). 

ففي يناير/كانون الثاني 1948، أطلقت الشرطة النار على متظاهرين في بغداد، وكانت مجزرة فوق جسر الشهداء الذين رثاهم الجواهري بعاطفة مشبوبة:  

أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ .... بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ

فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً .... وليس كآخَرَ يَسترحِمُ

يصيحُ على المُدْقِعينَ الجياع .... أريقوا دماءَكُمُ تُطعَموا

أتعلَمُ أنَّ رِقابَ الطُغاة .... أثقَلَها الغُنْمُ والمأثَمُ

أما شوقي فقد تنوعت مراثيه بين التقليدي لشخصيات عامة وعلماء وأعيان، والوطني والديني، ملتهبة العاطفة مثل رثاء شهداء دنشواي والخلافة العثمانية وأدرنة ودمشق وزعماء عظام مثل مصطفى كامل وعمر المختار الذي قال في رثائه: 

رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ .... يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ .... توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ

ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ .... بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ

جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ .... تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ   

وقال في رثاء الخلافة العثمانية: 

عادت أغاني العُرسِ رَجْعَ نواحِ .... ونُعيتِ بين معالمِ الأفراحِ

كُفِّنتِ في ليلِ الزفاف بثوبه .... ودفنت عند تبلج الإصباحِ

شُيعتِ من هلعٍ بعبرةِ ضاحكٍ .... في كل ناحيةٍ وسكرة صاحِ 

ضجت عليكِ مآذنٌ ومنابرٌ .... وبكت عليكِ ممالكٌ ونواحِ

وقال في رثاء أدرنة العاصمة العثمانية القديمة عندما احتلها البلغار قبل استردادها لاحقا: 

يا أختَ أندلسٍ عليكِ سلامُ .... هَوَت الخلافةُ عنكِ والإسلامُ 

نزل الهلال عن السماء فليتها .... طُوِيَت وعَمّ العالمين ظلامُ

تقاليد الندب في المشرق
تنطوي مرثية الشاعر أحمد فؤاد نجم للمناضل الأرجنتيني، أرنستو تشي غيفارا، على تقاليد للرثاء والندب في المشرق موغلة في القدم، إذ عبرت مسافات الزمن. 

ويتدفق التفجع والندب بعفوية ووقار يليق بالمقام. ويأتي وزن القصيد على تفعيلة "مستفعل" من بحر الرجز أكثر بحور الشعر بساطة في الإيقاع وملاءمة للسرد:  

جيفارا مات .. جيفارا مات .. جيفارا مات

آخر خبر في الراديوهات

وفي الكنايس والجوامع 

وفي الحواري والشوارع

وعالقهاوي وعالبارات

جيفارا مات.. واتمد حبل الدردشة والتعليقات

تخيم على القصيدة لحظة المصير ورهبة الموت ويقين النهاية وصمت القبور، مرافقة الكلمات والنغمات وترداد النادبين الذين توحي إيقاعاتهم بأنهم يدقون صدورهم حزنا وغما كما هي المآتم منذ أزمان طويلة: 

عيني عليه ساعة القضا من غير رفاقة تودعه

يطلع أنينه للفضا يزعق ولا مِين يسمعه

عيني عليه .. عيني عليه

يمكن صرخ من الألم من لسعة النار في الحشا

يمكن ضحك أو ابتسم أو ارتعش أو انتشى

عيني عليه .. عيني عليه

يمكن لفظ آخر نفس كلمة وداع لأجل الجياع

يمكن وصية للي حاملين القضية بالصراع

"الثلاثاء الحمراء"
وجاء قصيدة الشاعر إبراهيم طوقان (1905-1941) في رثاء أبطال ثورة البراق الفلسطينية (1929) محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا يوم 17 يونيو/حزيران 1930، على النسق الأوبرالي وبتصوير درامي بالغ التأثير.

وتتكون القصيدة من افتتاحية (مقدمة)، وثلاث فقرات أو ساعات كل منها مخصصة لأحد الشهداء، ثم خاتمة. تقول مقدمة قصيدة "الثلاثاء الحمراء": 

لمَّا تَعَرَّضَ نَجْمُك المنحوسُ .... وترَّنحت بعُرى الحبالِ رؤوسُ

ناح الأَذانُ وأعولَ الناقوسُ .... فالليل أكدرُ والنَّهارُ عَبوسُ

طَفِقَتْ تثورُ عواصفُ وعواطفُ .... والموتُ حيناً طائفٌ أو خـاطفُ

والمِعْولُ الأَبديّ يُمْعِن في الثرى .... لِيردَّهـمْ في قلبِها المتحجِّرِ

وإذا بيومٍ راسفٍ بقيودِهِ .... فأجابَ والتاريخُ بعضُ شهوده:

"أنظر إلى بيضِ الرَّقيق وسودِهِ .... مَنْ شاءَ كانوا مُلكَهُ بنقودِهِ

بشرٌ يُباعُ ويُشترى فتحررا .... ومشى الزَّمانُ القهقرى فيما أرى

فسمعتُ مَنْ منعَ الرَّقيق وبَيْعَه .... نادى على الأَحرارِ يا مَنْ يشتري"

ويلاحظ الناقد الفلسطيني المتوكل طه أن بناء القصيدة الداخلي وشكلها، ينسجم مع مطلقيّة الموت والزمن داخل بناء فسيفسائي متنوع في إطار من قافية متكررة تحكم القصيدة. 

تبدأ المقدمة ببحر الكامل (المؤلف من ستة تفعيلات: مُتَفاعِلُنْ) المناسب للنشيد لاحتوائه إيقاعًا يشبه الطبل، وتنتقل إلى مشطور الكامل ثم بحر الكامل، ويظل ينتقل من بحر الكامل إلى مشطوره. أما الساعات الثلاث فتستعمل بحر المتقارب (خماسي التفعيلة: فَعُولُنْ) ثم تعود الخاتمة إلى بحر الكامل.

المصدر : الجزيرة