عـاجـل: الخارجية الروسية: اتفاق سوتشي ينص على عدم انتشار القوات التركية في منبج وعين العرب

ذاكرة عُمان على جوانب البحار.. بين أرخبيل الملايو وجنوب الجزيرة العربية

جانب من فعاليات المؤتمر السادس الذي ينظمه مركز ذاكرة عُمان بالتعاون مع الجامعة الإسلامية في ماليزيا (الجزيرة)
جانب من فعاليات المؤتمر السادس الذي ينظمه مركز ذاكرة عُمان بالتعاون مع الجامعة الإسلامية في ماليزيا (الجزيرة)

سامر علاوي-كوالالمبور

يعيد مؤرخون العلاقة بين جنوب شبه الجزيرة العربية وأرخبيل الملايو إلى بدايات معرفة العالم بتجارة ما وراء البحار، لكنهم يقولون إن هذه العلاقة الحضارية لم تحظ بكثير من التدوين والتأريخ، وهو ما أكده للجزيرة نت مشاركون في المؤتمر السادس الذي ينظمه "مركز ذاكرة عُمان" بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.

ففي ستة مؤتمرات علمية سنوية عقدت في كوالالمبور، استحضرت ذاكرة عُمان تاريخ العلاقة بين منطقتي جنوب شرق آسيا وجنوب شبه الجزيرة العربية، وتناول المؤتمر الأخير (من 2 إلى 3 أكتوبر/تشرين الأول) الدور العُماني في خدمة القرآن الكريم وعلومه.

البحث والتدوين
ونظرا لأن معظم جهود المسلمين الأوائل في توطيد العلاقة بين أرخبيل الملايو وجنوب شبه الجزيرة العربية لم تسجل أو تدون، فإن رئيس جمعية اللغة العربية في ماليزيا محمود عبدول شدد على الحاجة لبذل مزيد من الجهد للبحث في التراث والآثار وأدب الرحلات لتجميع هذا التراث الحضاري.

وأشار عبدول -وهو أستاذ جامعي سابق- إلى أن أثر اللغة العربية والعلوم الإسلامية واضح في لغات وثقافات مجتمعات جنوب شرق آسيا، وأن البحارة والتجار من المنطقتين أسهموا في تلاقح ثقافاتهما، وعززها طالبو العلم على مدى التاريخ.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن تطور وسائل الاتصال والمواصلات لم تغن عن السفر إلى مهد اللغة العربية والإسلام للاستقاء من نبعيهما، بينما يسهم الباحثون في ماليزيا من مختلف الجنسيات في تدوين وتأصيل الروابط التاريخية والحضارية.

وللتدليل على وفرة أدلة وآثار العلاقات الحضارية بين المنطقتين استشهد عبدول بتقارب بعض أنماط الزي الشعبي مثل الإزار وأنواع من الطعام المشترك مثل الحلوى الماليزية المعروفة باسم "حلوى مسقط" وهي نسخة عن الحلوى العُمانية الشهيرة.

 الدكتور عبدول يشدد على الحاجة لمزيد من البحث لاكتشاف التراث المشترك بين جنوب شرق آسيا وجنوب شبه الجزيرة العربية (الجزيرة)

بناء على الماضي
ويعيد أحمد بن سعود السيباني أمين عام مكتب الإفتاء في سلطة عُمان، الفضل في توطيد العلاقات الشعبية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية بين شعوب المنطقتين إلى البحارة والدعاة، ويرى أن السفن العمانية التي جابت البحار حتى وصلت إلى الصين، وحملت معها الثقافة والدين والفكر إلى جانب تبادل البضائع.

واعتبر السيباني انعقاد سلسلة مؤتمرات في ماليزيا تعنى بعلاقات عمان مع منطقة جنوب شرق آسيا بناء على ما قدمه البحارة والدعاة الأوائل، ويضيف للجزيرة نت أن الأنظمة السياسية الحديثة في عمان وماليزيا بنت على هذا الإرث إقامة علاقات سياسية وطيدة بعد استقلال البلدين عن الاستعمار.

علوم القرآن
يرى السيباني أن الذاكرة العمانية تخزن كثيرا من التسامح الفكري والمذهبي والديني، وهي برأيه معاني الحضارة العمانية التي عرفت في وقت سابق ويسعى مركز ذاكرة عمان إلى ترجمتها في الواقع الحالي وبالتواصل مع الشعوب الأخرى كما هي الحال مع ماليزيا.

وبشأن موضوع مؤتمر "الدور العماني في خدمة القرآن الكريم" يرى السيباني أن العمانيين تميزوا في مجالات بحثية تاريخية عديدة مبكرة، أهمها ترتيب نزول الوحي، والذي أبدع فيه التابعي العماني جابر بن زيد الأزدي برواياته عن الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

ويعتبر السيباني ترتيب النزول أهم الأعمال العمانية المبكرة في علوم القرآن نظرا لصعوبة البحث والتحقيق في سبب نزول كل آية وترتيب نزولها تاريخيا، واختلافه عن ترتيب سور القرآن الكريم في المصحف الذي هو توقيفي، ويقول إن "العلماء جسدوا جهود الأزدي في قصائد شعرية مثل البرهان الجعبري بقصيدته "تقريب المأهول في ترتيب النزول".

 السيباني يرى أن الفضل يعود للبحارة العمانيين والدعاة في تلاقح الثقافة بين منطقتي جنوب شرقي آسيا وجنوب شبه الجزيرة العربية (الجزيرة)

حركة التجارة والثقافة
من القرن 13 حتى القرن 17، انتشر الإسلام والمذهب السني الذي حمله التجار العرب والهنود بالدرجة الأولى، على نطاق واسع عبر جزر جنوب شرق آسيا، وقدم الدين الجديد نظاما اجتماعيا متكافئا للفرص من خلال التفاني الروحي، وهو ما حد في نهاية المطاف (وإن لم يلغِ بالكامل) من قوة النخب التقليدية، بحسب الموسوعة البريطانية. 

وشكل الإسلام جاذبية كبيرة للمزارعين والتجار في المناطق الساحلية، وكان نشر الإسلام مرتبطا ارتباطا وثيقا بازدهار الطرق التجارية الكبرى في المحيط الهندي التي تربط الصين عبر مضيق ملاكا (ممر مائي يقع في جنوب شرق آسيا بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية) والجزيرة العربية وشرق أفريقيا.

تزامن وصول الإسلام مع صعود ميناء ملاكا الكبير، الذي تم إنشاؤه على طول المضيق على الساحل الجنوبي الغربي لملايا من قبل المغتربين في سومطرة حوالي عام 1400م. 

وتحول الملك الذي كانت له علاقات قوية بالصين إلى الإسلام، وأصبح سلطانا مسلما وبالتالي جذب التجار العرب، وتوسع نفوذ ملاكا التجاري وتحولت أيضا لمركز إقليمي لنشر الإسلام إلى جانب تعزيز الشبكة التجارية في المحيط الهندي، ولعب التجار العرب من جميع أنحاء الجزيرة العربية وخاصة جنوبها العُماني والحضرمي دورا كبيرا في العلاقات الثقافية بين بلاد الملايو والجزيرة العربية، واندمج العديد من المهاجرين العرب في السلطنة وتم استيعابهم في ثقافة الملايو المحلية بدلا من الاحتفاظ بهويتهم العربية.

وعبرت التوابل الإندونيسية وذهب الملايو والحرير والشاي الصيني عبر ملاكا في طريقها إلى جنوب آسيا والشرق الأوسط، وفي نهاية المطاف إلى أوروبا، وفي عصرها الذهبي أواخر القرن الخامس عشر، استضافت جزيرة ملاكا حوالي 15 ألف تاجر من جنسيات مختلفة، بما في ذلك الصينيون والعرب والفرس والهنود، وبفضل استقرار حكومتها وسياساتها التجارية الحرة فاق عدد السفن الموجودة في مينائها عدد السفن الموجودة في أي ميناء آخر في العالم المعروف آنذاك.

المصدر : الجزيرة