أراضي سعد زغلول وعلي شعراوي.. ماذا تبقى من أوقاف زعماء ثورة 1919 بعد قرن كامل؟

ندوة أوقاف زعماء ثورة 1919 وآثارها الثقافية والاجتماعية التي عقدت في القاهرة (الجزيرة)
ندوة أوقاف زعماء ثورة 1919 وآثارها الثقافية والاجتماعية التي عقدت في القاهرة (الجزيرة)

 دعاء عبد اللطيف-القاهرة

 

عبر شاشة تقدم الحياة باللونين الأبيض والأسود، ظهر الفلاحون حفاة تحمل ملامحهم شقاء الأرض، مع ذلك كانت الحماسة تفيض من أعينهم وهم يهتفون ضد الاحتلال الإنجليزي كتفا بكتف مع الموظفين والطلاب ورجال الدين خلال ثورة 1919.

"الثورة الأم" هو عنوان فيلم وثائقي عرض ضمن فعاليات ندوة "أوقاف زعماء ثورة 1919 وآثارها الثقافية والاجتماعية"، التي عقدها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مساء أمس السبت، وتناولت مآلات ثروة زعماء الثورة التي اندلعت قبل مائة عام.

استعرض المتحدثون في الندوة التي أدارها الدكتور عبد الحميد شيحة، عضو مجمع اللغة العربية، كيف أعلن زعيم الثورة سعد زغلول ورفاقه احتجاجهم الصامت ضد الإنجليز بطريقة فريدة قبل نزول الجماهير إلى الشوارع، وكيف قدموا للفقراء سبل الخير المستمرة حتى الآن وكأنها امتداد لثورتهم وشاهد عليها.

ثورة صامتة
"التاريخ يخبئ الكثير من الاندهاش"، هكذا يلخص أستاذ العلوم السياسية ومستشار المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتور إبراهيم البيومي غانم، رحلة تتبع أموال زعماء ثورة 1919 من وقت حصولهم عليها حتى فراغ أيديهم منها.

اختار غانم ثلاثة من زعماء الثورة نموذجا لسائر رجالها من "الباشوات" وهم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي، ويقول إن الثلاثة جمعتهم النشأة الريفية ودراسة القانون والفكرة الليبرالية الوطنية وطريقة التصرف في أموالهم.

ويوضح أن طبقة كبار الملاك التي انتمى إليها زعماء الثورة تكونت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد أن أجيزت أحكام الميراث على أرض الخراج وبدأت الدولة تبيع أملاكها للوفاء بالديون الخارجية.

"بوعي وطني بادرت طبقة من أصحاب المهارات إلى شراء أراضي الدولة قبل أن تستولي عليها البنوك الأجنبية، كان الرجال يبيعون ذهب زوجاتهن ويشترون الأرض بنظام التقسيط"، حسب قول غانم.

ويضيف أن كثيرين ممن اشتروا أراضي الدولة عادوا بعد فترة قصيرة ليقدموها إلى الشعب في شكل وقف خيري، حاصرا فترة بدء شراء الأراضي والتنازل عنها "وقفا" من 1884 حتى وصلت لأقصاها عام 1944.

ويصف أستاذ العلوم السياسية تصرف تلك الطبقة بالثورة الصامتة ضد الاحتلال الإنجليزي عبر صد خطة شراء الأجانب لأراضي مصر، وإعادة هذه الأراضي مرة أخرى لتطوير وتنمية المجتمع.

من جهته، تحدث المحامي البارز وعضو مجمع اللغة العربية، الدكتور محمد سليم العوا، عن بداية مفهوم الوقف، موضحا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أول من فعّل نظام الأوقاف في الإسلام.

ويؤكد أن الوقف امتد ليشمل كل ما يمكن تقديم المساعدة له، فمثلا كانت هناك أوقاف للخيل العجوز التي لا تصلح للركوب فيتم تخصيص ملاجئ لها تطعم وتداوى بها حتى يأتي أجلها، كما كان هناك أيضا وقف للكلاب الضالة والقطط السمان.

بل شملت الأوقاف ما عرف بـ "وقف الزبادي" وكان يخصص للخدم الذين يكسرون أواني من يخدمون في بيوتهم فيتم صرف ثمن الأواني التالفة.

ويعود العوا إلى ثورة 19 ليؤكد أن "الاحتلال الإنجليزي بدأ في مصر عام 1882، أي أن الأمر استغرق 37 سنة ليثور المصريون"، ولم تنجح الثورة في إجلائهم عن مصر ليحتاج الأمر 37 سنة أخرى ليخرج آخر جندي إنجليزي من مصر سنة 1956.

مداخلة العوا عن تواريخ الثورة والجلاء يبررها بكونها تعطي أملا أن الظلم سينتهي مهما طال الأمد كما تبث الطمأنينة بأن الحق لا يضيع طالما ظلت المثابرة والمرابطة.

المتحدثون في الندوة استعرضوا كيفية احتجاج سعد زغلول ورفاقه ضد الإنجليز بطريقة فريدة (الجزيرة)

مآلات الثورة
أغلب قادة ثورة 1919 وزعماء حزب الوفد -تأسس باعتباره أحد روافد الثورة- من كبار الملاك وقفوا أملاكهم على مؤسسات عامة ذات منافع لها أثرها حتى اليوم، حسب تأكيد الدكتور إبراهيم غانم.

ويذكر أن الزعيم علي شعرواي خصص 1400 متر من أرضه لإنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن وتعليم الخط العربي ومبادئ القراءة والكتابة، إلى جانب وقف 7136 فدانا بقرى محافظتي المنيا وأسيوط، وأوصى بإنشاء معهد في الصعيد على غرار الأزهر الشريف في القاهرة إلى جانب مسجد يحمل اسمه.

كذلك أوقف سعد زغلول أربعين فدانا ومنزلين تبلغ مساحتهما نحو ستة آلاف متر مربع، لأعمال الخير.

ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن زغلول كتب صيغة الوقف بشكل سياسي يعبر عن فكرته الليبرالية، فأوصى أن يتم انتخاب ناظر الوقف من قبل المستحقين للأوقاف ويحق لهم عزله، وهو ما لم يكن متبعا في نظام الأوقاف قبل ذاك.

أما عبد العزيز فهمي فوقف كل أملاكه في قريتي نسطاي والراهب بمحافظة المنوفية لأعمال الخير، إلى جانب بناء خمسة مساجد ينفق على إدارتها من ريع الوقف.

 

دراما القبح والجمال
وكما دراما الحياة في مصر تحمل القبح والجمال، فكانت حال الأوقاف، كما يؤكد غانم، حيث ضرب الفساد إدارة الوقف ما أدى لتآكله.

ويضرب مثالا بوقف علي شعراوي الذي كان قد تطور حتى وصل عام 1952 إلى عشرة آلاف فدان لكنه وفي عام 1971 عندما تم تسليمه إلى وزارة الأوقاف، فور استحداثها، كان قد تقلص إلى 272 فدانا.

ويردف أن الوزارة لم تتسلم الـ 272 فدانا، حيث اكتشفت أن العجز وصل إلى 234 فدانا أي أنها لم تتسلم سوى 37 فدانا فقط.

ومن ناحيته، يؤكد سليم العوا أن المحاضرات والندوات والأفلام الوثائقية حول تراثنا الوقفي هي طريقة فعالة للتوعية بأهمية الوقف، مشيرا إلى أن أزمة الوقف تكمن في الفساد والظلم اللذين لحقا بمستحقيه.

وفي مداخلة قصيرة، لفت رئيس مجمع اللغة العربية، الدكتور حسن الشافعي، إلى دور الزعيم سعد زغلول في ازدهار الأوقاف لدعم المشاريع الإصلاحية والإسلامية، مثل بناء المدارس والمعاهد الدينية.

وقال إن زغلول ألقى بيانا عندما كان وزيرا للمعارف، يشدد فيه على أن الأوقاف هي أموال عامة وليست حكومية، مؤكدا أن الفارق بينهما كبير.

المصدر : الجزيرة