ترامب محق بخصوص روما القديمة.. فهل تعيد أميركا أخطاء الجمهورية الهالكة؟

خلال لقائه نظيره الإيطالي ماتاريلا (يمين) قال ترامب إن بلديهما يرتبطان بتراث يرجع تاريخه لآلاف السنين (الأوروبية)
خلال لقائه نظيره الإيطالي ماتاريلا (يمين) قال ترامب إن بلديهما يرتبطان بتراث يرجع تاريخه لآلاف السنين (الأوروبية)


عمران عبد الله

خلال لقائه الرئيس الإيطالي سيرغيو ماتاريلا، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن بلديهما "يرتبطان بتراث ثقافي وسياسي مشترك يرجع تاريخه إلى آلاف السنين، إلى روما القديمة". 

ورغم أن كثيرين انتقدوا ترامب لتصريحه الذي بدا "غير منطقي" كون الولايات المتحدة تأسست في القرن 18 فإن الرئيس الأميركي كان يشير بالفعل -في خطابه الذي قرأه من ورقة- لتاريخ طويل من الإلهام والتأثير الروماني على مؤسسي الولايات المتحدة الذين كانوا على اطلاع جيد بتاريخ الجمهورية الرومانية واستحضروه في أذهانهم أثناء قيامهم ببناء "جمهورية" الولايات المتحدة.

روما الجديدة 
للحيلولة دون الوقوع في الاستبداد أو الديكتاتورية، نوقشت روما القديمة على نطاق واسع بين الآباء المؤسسين لأميركا في 18، وأثنى المؤسسون على الأبطال الرومانيين الذين دافعوا عن حكومتهم من الطغيان في الأيام الأخيرة المضطربة للجمهورية، بحسب المدوّن المختص بمفكري العالم القديم بول ميني.

ويمكن تقسيم تاريخ روما إلى ثلاث فترات. أولاً ، كان هناك التأسيس عندما حكم الملوك الرومان بعد إسقاط الملك الطاغية لوكيوس تاركوينيوس من منصبه النبيل عام 509 قبل الميلاد فأصبحت روما جمهورية.

وخلال هذه الفترة الجمهورية صعد نجم روما بعد غزو إيطاليا والتغلب على القرطاجيين، وأصبح الرومان القوة المهيمنة في العالم القديم، وبمجرد انهيار الجمهورية نتيجة للحرب الأهلية، بدأ العصر الإمبراطوري. وخلال هذه الفترة الأخيرة حكمت روما من قبل الأباطرة حتى انهيارها نهاية المطاف.

منحوتة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة بولاية داكوتا الجنوبية (بيكسابي)

ورغم أنه قد يبدو من الغريب أن العديد من الأميركيين في القرن 18 شعروا بقرب نموذج روما القديمة، فإن هناك العديد من أوجه الشبه بين المجتمعين. فمثل الرومان الجمهوريين، كان الأميركيون في القرن 18 من المزارعين الريفيين. وأثنى الشعراء الرومان مثل هوراس وفيرجيل على نمط الحياة الزراعية الشبيه بنمط الاكتفاء الذاتي في أميركا الأولى. وامتدح الرومان فضائل الاستقلال والوطنية والاعتدال، والتي كانت أيضًا حجر الزاوية في المجتمع الأميركي وقت تأسيسه.

وخلال عصر التنوير الأوروبي، كان العالم الغربي مسحوراً بروما القديمة ولم تكن أميركا استثناء، وأدى شيوع النموذج الروماني الأدبي والسياسي لإحالات عديدة على المراجع والتواريخ الرومانية القديمة في كتابات الآباء المؤسسين الأميركيين.

وكثفت الثورة الأميركية اهتمامها بالرومان القدماء ودفاعاتهم عن الحرية مقابل السلطة، وكان الكتاب والثوريون في كثير من الأحيان يشبهون بين روما وأميركا. وكثيراً ما جرى تشبيه الملك البريطاني بالقيصر الروماني، ويصعب العثور على أي شخصية عامة في الفترة الثورية الأميركية لم تقتبس من مؤلف كلاسيكي، وأصبح أبطال الجمهورية الرومانية مثل شيشرون وكاتو نموذجًا أخلاقيًا للجيل التأسيسي للولايات المتحدة.

الإمبراطورية الرومانية 
ورغم أن المؤرخ إدوارد ج. واتس لم يقارن في كتابه ""الجمهورية الهالكة: كيف هَوَت روما إلى الاستبداد"" بين الإمبراطورية الرومانية القديمة وأي إمبراطوريات حديثة أو معاصرة فإن القراء والمعلقين قاموا بهذا الدور نيابة عنه، ويقول المؤلف "لا توجد إمبراطورية أبدية. إنها تعيش فقط طالما يريدها مواطنوها".

ويقدم واتس في كتابه تاريخًا جديدًا لسقوط الجمهورية الرومانية يفسر انهيار الديمقراطية في الجمهورية وصعود إمبراطورية رومانية استبدادية، ويرى أنها في ذروة مجدها كانت روما القوة الديمقراطية الوحيدة في العالم في ذلك الوقت. وعززتها مؤسساتها الحاكمة وقواعدها البرلمانية وعاداتها السياسية مثل التفاوض والتسوية.

لكن بحلول عام 130 قبل الميلاد، بدأ قادة روما بشكل متزايد في السعي لتحقيق مكاسب فردية وعرقلة خصومهم. ومع تزايد الاختلال تراجع التنافس بين السياسيين أمام العنف السياسي في الشوارع. وأصبحت السياسة الرومانية لعبة صفرية خطيرة، حصد فيها الفائز المكاسب كلها وكثيراً ما دفع الخاسرون حياتهم، وأصبحت البلاد مسرحاً للحروب الأهلية المدمرة، ونهاية المطاف سقطت الجمهورية وقامت الإمبراطورية وأصبح أوغسطس قيصر أول إمبراطور روماني عقب اغتيال يوليوس قيصر.

الجمهورية الهالكة
يقدم الكتاب تاريخًا سياسيًا مفصلاً للغاية في روما. ويغطي "الجمهورية الهالكة" فترة ثلاثمئة عام تقريبًا من عام 280 ق.م. و 27 ق.م. والتاريخ السياسي لروما وحكام ذلك الوقت وتفاصيل الأحداث التي وقعت وكيف أثرت على الجمهورية، بما في ذلك استخدام العنف وتشريعه ضد المعارضين السياسيين ودخول الجيش الروماني في السياسة واغتصاب السلطات، وموت الجمهورية الرومانية شيئًا فشيئًا كل مرة تمت فيها إساءة استخدام إجراء سياسي.

وأصبحت وفاة الجمهورية حتمية عندما أيد المواطنون العاديون أو رفضوا إدانة شخصيات مثل سولا وماريوس وسيزر وأوغسطس الذين دمروا المؤسسات الديمقراطية شيئًا فشيئًا، في النهاية ماتت الجمهورية بسبب آلاف الجروح الصغيرة التي ألحقها الرومان مع افتراض أنها ستستمر إلى الأبد، ومع ذلك لم يطالب الشعب الروماني بالعودة إلى الجمهورية، بل على العكس من ذلك اعتبر أن أوغسطس يحتاج إلى المزيد من الألقاب والمزيد من القوة، وأن خلاص الشعب كان موجودًا في الإمبراطورية.

ومع مرور الوقت، يظهر لنا واتس الشقوق في الجمهورية. فنظرًا لأن النظام الروماني كان مبنيًا على التقاليد وخصوصًا الإجماع، فقد جرى خرق الإجماع وتشجيع العنف من قبل بعض رجال الجمهورية لتحقيق إنجاز سريع، وأدى ذلك لأزمة كبيرة قادت في النهاية لحرب أهلية زعزعت قيم الجمهورية رغم بقاء شكلها الخارجي الأجوف، وكانت النهاية مع الإمبراطور أوغسطس.

وإذ يشكل الانقسام السياسي والاجتماعي ظاهرة واسعة الانتشار بالديمقراطيات الحديثة، يتزايد العناد والتخلي عن محاولات بناء التوافق وفي الآراء وتغيب التسويات السياسية، وهي العوامل التي تهدد بمصير مشابه للجمهورية الرومانية القديمة.

المصدر : الجزيرة