عالم مليء بالمستعبدين والمجرمين.. الجرائم المجهولة في أعالي المحيطات

الكتاب رصد الأضرار التي تلحق بالبيئة البحرية (مواقع التواصل)
الكتاب رصد الأضرار التي تلحق بالبيئة البحرية (مواقع التواصل)

استعرضت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية كتابا للصحفي إيان أوربينا الذي كان محظوظا بإجرائه تحقيقا حول الخارجين على القانون في أعالي البحار، بعد عامين من العمل مراسلا لصحيفة "نيويورك تايمز"، ثم عامين آخرين ترك فيهما الصحيفة وموّل تحقيقاته عبر ناشر كتابه.

وتكشف تقارير هذا الصحفي -كما استعرضتها الصحيفة- عن جشع لا حدود له في أعالي المحيطات، وعن عالم يجهله القراء المقيمون على اليابسة، عالم مليء بالمستعبدين والخارجين عن القانون.

ويقول تشارلز جايغو -الذي عرض الكتاب- إن هذا الصحفي الأربعيني الشجاع لم يكن لينجز هذا العمل لولا ما ناله من تعاون مع علماء البيئة في منظمات المجتمع المدني "شيفيرد" و"السلام الأخضر" (غرينبيس) وغيرهما، كما هو واضح من قائمة من شكر تعاونهم في مقدمة كتابه.

ورغم ذلك الدعم، ينتقد أوربينا طريقة عمل هذه المنظمات قائلا إنها غالبا ما تكون لديها رؤية مبسطة لدوافع أعدائها، فهي تركز بشدة على الأضرار التي تلحق بالبيئة إلى درجة أنها تنسى ما يلحق بالبشر. كما أن المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يهتمون بإساءة معاملة البحارة، يعانون من العيب نفسه كما يقول.

مأساة في أعالي البحار
تأتي أهمية هذا الكتاب -حسب الصحيفة- من مزاوجته بين رصد الأضرار التي تلحق بالبيئة البحرية، وسرد ​​المأساة البائسة التي يعيشها المستعبدون من الفلبينيين والتايلنديين والكوريين فوق مساحات الماء الشاسعة.

ويقول أوربينا للصحيفة في باريس إن "البحر لا توجد فيه خوذات زرقاء". ورغم أن 87% من الشحن في العالم يتم عبر البحار، فإن قانون الأقوى والأكثر غشا -حسب تعبيره- هو الذي يسود، حيث يوجد حقيقة ما يسمونه في اليابسة مجازا "رأسمالية متوحشة"فلا يوجد الوقت ولا المال لفرض حصص الصيد أو ضبط ظروف معيشية لائقة للبحارة.

وتقول الصحيفة إن قصص هذا الكتاب يطالعها الشخص وكأنه يقرأ إحدى الروايات السوداء، ليخرج منها وقد أصابه الدوار من كثرة الرذاذ والعواصف والصقيع ورؤى الرعب التي تملأ هذا العالم الأزرق المدمر.

ويتضح من الكتاب أن المحيط ليس مسالما في أي مكان، لا في الصين ولا كوريا الجنوبية ولا تايوان، ولا أيضا بين الأطقم المتهاونة من نيجيريا إلى الصومال أو من منغوليا أو توغو، التي تؤدي أسوأ عمل، مشيرا إلى أن هذا هو عهد القباطنة الجشعين والعنيفين، وعهد الشركات الوهمية التي تخفي وراءها مستغلي عمال البحار.

ومع أن الدول المتقدمة أقل استهدافا، فإن لديها هي الأخرى حساباتها، خاصة في الفصل الخاص بالرحلات البحرية العملاقة التي تقوم بها قوارب يبلغ عدد سكانها أربعة آلاف مسافر وتلقي بمياه مجاريها ووقودها دون عقاب.

ويوضح الكاتب أن هذه الجرائم غير المميتة ليس من السهل تصدرها عناوين الصحف العالمية، لأنه من الصعب أن يهتم الناس بما لا يرونه أبدا، خاصة أنها أمور مجهولة لأن الحكومات نفسها لا علم لها بمعظم ثروات مياهها الإقليمية، وإن كانت إدارة أوباما قدمت ميزانية ألغاها خليفته لوضع خريطة لجميع قاع البحر في مياهها الإقليمية.

جنة الخارجين على القانون
ويرى صاحب الكتاب أن معظم البشر عندما يكونون على الشاطئ يولون البحر ظهورهم، حيث لا أحد يعرف ما يجري هناك، في حين يجعل الخارجون عن القانون منه جنتهم. كما يقول أوربينا إن المحيط "رغم جماله المذهل، مكان بائس يؤوي عالما إنسانيا مظلما".

وفي هذا الكتاب توجد العديد من القصص المتعلقة بالبحارة التي تغطي مجموعة واسعة جدا من الأنشطة، من عمليات الإجهاض في أعالي البحار إلى تحويل منصات النفط إلى منتجعات سياحية. غير أن من أكثرها لفتا للانتباه قصص الصيد غير القانوني، حيث يعمل أكثر من 56 مليون رجل في سفن الصيد.

ويشير المؤلف إلى أن التجارة غير المشروعة في المأكولات البحرية مزدهرة على مستوى العالم، حيث تبلغ مبيعاتها السنوية 156 مليار دولار. ويستعرض كاتب المقال قصة قارب "الرعد" المتخصص في صيد "سباع البحر" الغنية بأوميغا-3 من تشيلي وأميركا اللاتينية، الذي ألقى شبكته التي يبلغ طولها 11 كلم في المحيط الجنوبي.

وقد قامت الشرطة الدولية (إنتربول) بمطاردته، إلا أن من أمسك به كانت طواقم جمعية "شيفرد" البحرية التي كان مؤسسها بول واتسون معروفا باتباع أساليب حرب العصابات.

وفي نهاية الكتاب، يقترح المؤلف حلولا مختلفة لمراقبة المحيطات بشكل أفضل وأكثرها أمانا، وذلك بخفض استهلاك الأسماك، بما في ذلك سمك التونة وسمك السلمون والروبيان.

وأخير -يقول أوبينا- إن البحر في بعض الأحيان لا ينتظر عدالة البشر، حيث علم مؤخرا أن سربا من الحيتان رصد صيادي حيوانات (سباع البحر) وتعقبهم ودمر شباكهم ليتغذى على هذا الصيد السهل، بل إن العديد من البحارة فقدوا أذرعهم في هذا الهجوم.

المصدر : الصحافة الفرنسية,الجزيرة