السلاح السري في داريا.. حكاية الثقافة أيام الحصار

عمران عبد الله

في ريف دمشق جنوب غرب العاصمة السورية تقع داريا، لكنها تكاد تكون عالما آخر بعد أن حاصرتها قوات النظام السوري منذ عام 2011، وحُرم سكانها من الطعام وقصفوا بالقنابل والقذائف وواجهوا رصاص القناصة، بينما تهدمت الكثير من المباني والمتاجر وبيوت العائلات بسبب الموت المنهمر من السماء.

لكن في أعماق هذا المشهد القاتم من الدمار المخيف، جذبت واحة من الأمل تحت الأرض السكان المحاصرين إلى مكتبة سرية فريدة من نوعها.

ويروي الصحفي البريطاني مايك ثومسون في كتابه الصادر حديثا بعنوان "مكتبة سوريا السرية: القراءة والخلاص في مدينة تحت الحصار"، الحكاية الملهمة لما يسميه الدافع الذي لا يصدق لأشخاص رفضوا الاستسلام لليأس وتمسكوا بقوة الكلمة المكتوبة، سعيا لخلق مساحة إيجابية وثرية لأنفسهم وللآخرين عبر "مقاومة مدروسة".

وتحدث ثومسون الذي يعمل مراسلا للشؤون الخارجية في هيئة الإذاعة البريطانية -للجزيرة نت- عن تجربته في استلهام فكرة الكتاب من وحي الأحداث التي كان يغطيها في سوريا عام 2016، عندما كان نصف مليون إنسان تحت الحصار في حوالي 16 منطقة مختلفة.

الكتاب والمكتبة
وقال ثومسون للجزيرة نت "اتصلت بشخص معين في داريا، وسألته كيف تجري الحياة، وكيف تتحمل ضغوطها نفسيا؟".
ويتابع الصحفي البريطاني مضيفا "أجابني لدينا سلاح سري، وظننت أنه يشير لنوع معين من البنادق مثلا، لكنه استدرك بأنه يعطيه نوعا من الهروب لعالم آخر والأمان بفضل القبو الواقع تحت الأرض، إضافة للاستجمام والتحرر من التوتر".

ورغم أنه لا توجد علامات تميز وجودها، وأن الشوارع أعلاها امتلأت بالنيران وركام القصف؛ كانت "المكتبة" -أو العالم السري السفلي في داريا- ملاذا للسلام والهدوء والثقافة، اصطفت فيه الكتب المتنوعة مرصوصة على الجدران، بما في ذلك مجلدات وكتب قديمة وأخرى ممزقة، لكن يمكن قراءتها وكتيبات بحجم الجيب تحتوي أعمال شعراء سوريين، وأعمالا دينية مرتبة جيدا في صفوف.

وبخصوص كتابه الجديد الصادر هذا الشهر، يضيف ثومسون أنه أرسل نسخا منه إلى سوريا في المناطق التي يعيش فيها الشباب الذين أسسوا المكتبة، وقد أشادوا كثيرا بالكتاب وأبدوا امتنانهم لنشر حكايتهم الفريدة من نوعها إلى العالم.

أمناء المكتبة
وأضاف ثومسون للجزيرة نت "كنت أتصل بهم من لندن، ولم أنجح في الوصول إلى داريا بسبب خطورة الحصار المفروض عليها".

وبسؤاله عن أمناء المكتبة ومصيرهم، قال إنه لا يزال على تواصل معهم، وبعضهم لا يزال في ريف دمشق، لكن أغلبهم ذهبوا لإدلب التي تعيش كابوس آخر حاليا، بينما حاول بعضهم العبور إلى تركيا.

وحكى ثومسون عن أنس وأمجد وعبد الباسط الذين عملوا على إنشاء المكتبة، واصفا كيف تعرضت المكتبة لنهاية "درامية" ومصير مؤلم، بينما يصر أمناء المكتبة الذين استقروا في إدلب على إعادة فتحها  مرة أخرى عندما تسنح الفرصة.

وينقل ثومسون عن عبد الباسط الأحمر -أحد المتطوعين في المكتبة- قوله إنها أعطتهم فرصة لتقليل مخاطر الاستهداف، وكانت أيضا "تجربة روحية، ومكانا غاليا نتنفس فيه الأمل والتحرر من الوحشية، وكانت الأكسجين لأرواحنا".

واحة الثقافة الدمشقية
ووثق ثومسون في كتابه خطوات إنشاء المكتبة في المدينة المحاصرة التي ازدادت تعقيدا بسبب رصاص القناصة المنتشرين في بنايات محيطة بالمنطقة، واعتبر أن جمع الكتب تحت الرصاص والقصف بالطيران والمدفعية كان مغامرة استثنائية خطيرة وتمت بسرية في جنح الظلام.

ورغم أن داريا حُرمت من المواد الغذائية والأدوية في فترة الحصار، فإن متطوعي المكتبة السرية تحت الأرض استطاعوا جمع مئات الكتب من مصادر مختلفة، منها كتب حصلوا عليها من مكتبة داريا العامة التي دمرت في قصف مدفعي.

ليست مجرد مكتبة
ولم تقتصر وظيفة المكتبة على الثقافة، إذ استخدمت مقهى يستضيف المناقشات ومركزا تعليميا واجتماعيا، واحتوت على تشكيلة متنوعة من الكتب العربية والأجنبية، بما في ذلك مسرحيات لشكسبير وروايات لأجاثا كريستي وروايات عالمية وكتب تاريخية وعلمية ودينية، وكتب مثقفين عرب مثل محمد عمارة إضافة لموسوعات ومراجع.

ويختم مؤلف الكتاب الجديد قائلا "مثلما يحتاج الجسم إلى الطعام، تحتاج الروح إلى الكتب، حتى في أمكنة وأزمنة القصف والجوع والحصار". 

المصدر : الجزيرة