"رحلة العائلة المقدسة".. فرصة مهدرة لترويج سياحي بمصر

"رحلة العائلة المقدسة".. فرصة مهدرة لترويج سياحي بمصر

مغارة العائلة المقدسة في مسطرد شرقي القاهرة (مواقع التواصل)
مغارة العائلة المقدسة في مسطرد شرقي القاهرة (مواقع التواصل)
نادية سليمان-القاهرة
 
على مسافة تناهز ألفي كيلومتر من سيناء إلى الصعيد، مرورا بخمسة وعشرين موقعا، قطعت العائلة الصغيرة رحلتها في عامين وستة أشهر وعشرة أيام. امرأة وطفلها على حمار أنهكه طول السفر، وخلفهما نجار مسن يسير راجلا وقامته محنية من مشقة الترحال، هكذا جاءت السيدة مريم وابنها المسيح عليه السلام إلى أرض مصر هربا من بطش "هيرودس" المستبد الذي أمر بذبح الرضع في بيت لحم ممن ولدوا بالتزامن مع ميلاد المسيح.
 
نجا الطفل من الذبح وعاد ليستكمل رسالته الإلهية، لكن رحلته إلى مصر خلفت آثارا كثيرة وحكايات لم يكتبها الحواريون في الأناجيل الأربعة، ورغم ذلك لم تنج "الرحلة المقدسة" من إهمال الحكومات المتعاقبة في مصر، بالرغم من كونها من أهم المقاصد السياحية الدينية في العالم.

قامت الحكومات المصرية بعدة محاولات ترويجية لمسار العائلة، بلغت ذروتها في أكتوبر/تشرين الأول 2017 بعد مباركة بابا الفاتيكان فرانسيس لأيقونة العائلة المقدسة، في قداس حضره وفد رسمي مصري، وهو الحدث الذي حاولت وزارة السياحة استثماره لما يحمله بابا الفاتيكان من مكانة دينية لدى أكثر من ملياري مسيحي على مستوى العالم، فأعلنت عن أولى الرحلات السياحية في مايو/أيار 2018.

لكن الرحلة تم تأجيلها على الرغم من إدراجها ضمن الرحالات السياحية في مؤسسة "أوبرا رومانا" المسؤولة عن ملف "الحج" بالفاتيكان، لأن الـ25 موقعا التي أقرتها الكنيسة القبطية كمسار للعائلة المقدسة لا يصلح منها سوى خمس مناطق لاستقبال الأفواج السياحية.

كما تعرضت الرحلة لضربة أخرى، حيث لقي انتحاري حتفه إثر انفجار حزامه الناسف على بعد أمتار قليلة من إحدى كنائس مسار العائلة المقدسة، وهي كنيسة العذراء الأثرية في منطقة مسطرد (شمال القاهرة)، بالتزامن مع توافد حشود المسيحيين للاحتفال بعيدها في أغسطس/آب 2018. 

لوحة بإحدى الكنائس تصور "رحلة العائلة المقدسة" التي مرت بـ25 منطقة على مسافة ألفي كيلومتر واستغرقت عامين ونصفا (مواقع التواصل)
 

مسار العائلة
بدأت رحلة العائلة المقدسة في مصر من مدينة رفح المصرية التي يعاني أهلها من التهجير حاليا بدعوى مواجهة الجماعات المسلحة هناك، وكانت العائلة المقدسة قد دخلت سيناء من نفس طريق القوافل التجارية الموازي للشاطئ حتى وصلت إلى العريش، ومنها اتجهت غربا مسافة 37 كيلومترا حتى محمية "الزرانيق" الطبيعية للطيور، وهي المحمية التي كشفت أعمال تنقيب فيها -قام بها الفرنسي جان كليدا عام 1905- عن بقايا كنيستين قديمتين لم يبق منهما إلا بعض الأعمدة والجدران والأساسات.

ثم اتجهت العائلة المقدسة بعد ذلك إلى مدينة "الفرما" التي عانت فيها من العطش ومضايقات اللصوص وفقا لرواية البابا ثاؤفيلس (385-412 للميلاد)، قبل أن تذهب إلى سمنود وتل بسطا وبلبيس في دلتا مصر، ثم تنحدر جنوبا إلى منطقة "مسطرد" التي لا تزال تحتفظ بالمغارة التي أقامت فيها حتى الآن.

وفي مسطرد توجد البئر التي أجرى المسيح ماءها منذ ألفي عام، وإليها يتوافد حتى الآن آلاف المصريين في عيد العذراء بشهر أغسطس/آب من كل عام.

بعدها توجهت العائلة المقدسة إلى مدينة "أون" أو مدينة الشمس (حي عين شمس بالقاهرة حاليا) حيث استقرت في منطقة المطرية (شمال القاهرة) التي يقال إن المسيح زرع في أرضها شجرة بلسم، وذكر المؤرخ "المقريزي" -الذي عاش في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي- تلك الشجرة قائلا "إن العائلة المقدسة حطت بالقرب من عين شمس ناحية المطرية واستراحت بجوار عين ماء، فغسلت السيدة مريم ثياب المسيح، وصبت غُسالةَ الماء بتلك الأراضي، فأنبت الله نبات البلسان الذي لا يعرف بمكان من الأراضي إلا هناك، وكان يسقى من ماء بئر يعظمها النصارى ويغتسلون بمائها ليستشفوا به".

شجرة مريم بالمطرية (مواقع التواصل)

لكن شجرة البلسم أصابها الوهن وسقطت، فقامت الكنيسة سنة 1672 بزراعة شجرة جميز في موضعها، وهي الشجرة المعروفة حاليا بشجرة مريم بالمطرية.

انتقلت العائلة المقدسة بعد المطرية إلى بابليون (مصر القديمة حاليا)، حيث كنيسة العذراء مريم المعروفة باسم "المعلقة"، لأنها أٌقيمت على أعمدة حصن روماني قديم، قبل أن تتجه إلى المعادي (جنوب القاهرة)، حيث كنيسة العذراء الأثرية المطلة على نهر النيل، لتعبر في قارب إلى الضفة الأخرى، حتى تبدأ المرحلة الثالثة والأخيرة من الرحلة -بعد سيناء والقاهرة- نحو الصعيد.

"أشنين" بمغاغة و"دير الجرنوس" بالبهنسا و"جبل الطير" بسمالوط و"الأشمونين" و"كوم ماريا" بملوي، كلها قرى في محافظة المنيا شهدت رحلة العائلة المقدسة، قبل أن تصل الرحلة إلى مقرها الأخير في مغارة درنكة و"دير المحرق" في مدينة القوصية بمحافظة أسيوط.

مواقع غير مؤهلة
القاسم المشترك بين هذه المواقع، أنها قرى صغيرة لا تمتلك القدر الكافي من الخدمات الأساسية، حتى يكون بمقدورها أن تجذب الأفواج السياحية من كل بقاع العالم، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بكبار السن الفئة الأكثر شغفا بالسياحة الدينية، وهؤلاء لن يتمكنوا من الصعود لمغارة بجبل أو النزول لقبو تحت الأرض دون وسائل مبتكرة.

ويشير خبراء السياحة إلى صعوبة تطوير البنية التحتية لمسار العائلة المقدسة، نظرا لتعدد مواقعها وطول مسافتها التي تتطلب العمل في ثلث مصر تقريبا، وهو ما يجعل تأمين الوفود القادمة إليها بالغ الصعوبة أيضا، وهو ما دفع وزارة السياحة للاكتفاء برفع كفاءة خمسة مواقع فقط من مسار العائلة المقدسة، لتكون مستعدة لاستقبال السائحين.

المصدر : الجزيرة