حروف السياب تتساقط في البصرة

تمثال بدر شاكر السياب بعد ترميمه وتساقط اسم الشاعر وحروف قصيدته (الجزيرة)
تمثال بدر شاكر السياب بعد ترميمه وتساقط اسم الشاعر وحروف قصيدته (الجزيرة)

عمار الصالح-البصرة

لم يجد علي سلمان الذي قدم إلى البصرة (جنوبي العراق) تلك الجملة الشعرية التي اعتاد قراءتها بخشوع أمام نصب الشاعر بدر شاكر السياب "الشمس أجمل في بلادي والظلام.. حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق" بعد أن تساقطت حروف القصيدة وغابت معانيها.

علي هو واحد من الزوار والوافدين الذين يقصدون نصب السياب في مدينة البصرة لاستذكار حياة الشاعر والتغني بقصائده.

مدرسة الشعر الحر
يعد بدر شاكر السياب (1926-1964) أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي ومن أشهر شعرائه، ولد في قرية جيكور جنوب البصرة وقدم العديد من الأعمال الشعرية، وأصبحت قصائده جزءا من المناهج الدراسية وتحولت بعضها إلى قصائد مغناة، وتناولت قصائده الحياة الاجتماعية والعاطفية والشوق إلى وطنه وقريته.

يقول علي سلمان -وهو شاب عشريني جاء من شمال البصرة ليزور نصب السياب- " لم أجد ما كنت أحمله من رؤية لهذا الشاعر الكبير متجسدة في تمثاله الذي انتصب على شط العرب، ولا أرى اهتماما يليق بمكانة الشاعر وتاريخه العريق".

ولا يزال علي على خلاف أقرانه يحفظ قصائد للسياب التي تعلمها في مدرسته الريفية شمال البصرة أو من قصائد قرأها في دواوين الشاعر التي مثل فيها السياب أهم الاتجاهات الشعرية التي عرفها عصره آنذاك لتخلد في دواوين أنشودة المطر وشناشيل ابنة الجلبي وإقبال وأعاصير وديوان الهدايا.

‪فرات صالح: الأجيال الجديدة لا تعي أهمية السياب وربما تنظر إليه مجرد تمثال‬ (الجزيرة)

قصائد سقطت حروفها
لم تبق أعمال السياب أسيرة حدود البصرة والعراق، بل تجاوزت الأدب العربي ونالت اهتماما عالميا، وعلى الرغم من ذلك اقتصر الدور المحلي على تخليد الشاعر بإقامة نصب تذكاري أزيح الستار عن تمثاله الحالي عام 1972 ليُشمل بعدها بمشاريع الترميم التي سقط معها اسم السياب وحروف قصائده.

ويقول الشاعر فرات صالح إن "نصب السياب كان يشكل واحدا من علامات الوعي في سبعينيات القرن الماضي، حيث مثل تحفة فنية تدل على التذوق الجمالي وتعكس وعي ورقي المجتمع المحلي في ذلك الوقت، كما يشكل لنا نحن معشر الأدباء ركنا من الماضي الجميل الذي فقدناه في حاضرنا".

وهو يعتقد أن "الأجيال الجديدة لا تعي أهمية السياب، وربما تنظر إليه مجرد تمثال يزين كورنيش شط العرب، وما ساهم في ذلك هو النشاطات الأدبية الخجولة التي تناولت الشاعر".

ويجد فرات أن "السياب يستحق الكثير ليس بقياسات الحاضر كون الشعر العربي تقدم كثيرا لكن وفق السنوات التي عاش بها".

ويرى مدير البيت الثقافي في البصرة عبد الحق المظفر أن "الاهتمام بنصب الشاعر بدر شاكر السياب اتجه نحو إدامة الأرضيات والمرافق الأخرى دون الاهتمام بالتمثال نفسه وبشخصية السياب ذاتها".

‪عبد الحق المظفر: رعاية نصب السياب تتطلب إدخال الحداثة عليه‬ (الجزيرة)

وقال إن "رعاية نصب السياب تتطلب إدخال الحداثة عليه من خلال توفير وسائل متطورة ليتمكن زوار السياب من قراءة وسماع قصائد الشاعر وتعريفهم بشخصيته وحياته ومنجزه الأدبي".

غربة السياب في وطنه
ويؤكد المظفر ان أسرة السياب تشعر بالإحباط نتيجة هذا الواقع المتردي، وهو يجد أن "تخليد السياب بما يستحق يتطلب إنشاء مركز له على غرار معهد غوته الذي أسس تخليدا للأديب يوهان غوته وأصبح يمثل ألمانيا ثقافيا".

وفيما تعهدت حكومة البصرة المحلية بمعالجة النواقص والأضرار التي لحقت بنصب الشاعر جسد السياب غربته في وطنه في آخر ما كتبه من الشعر قائلا:
"فلتنطفي، يا أنت، يا قطرات، يا دم، يا.. نقود
يا ريح، يا إبرا تخيط لي الشراع، متى أعود
إلى العراق؟ متى أعود؟".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الطريق إلى جيكور قرية الشاعر بدر شاكر السياب يمتد بنا نحو الجنوب العراقي. طريق تحفه النخيل، ومتعرج وكثير الجسور، وما بين جسر وآخر ثمة قرية.

شرعت محافظة البصرة بتحويل منزل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في قرية جيكور إلى متحف، حيث سيتمكن معجبوه من الاقتراب أكثر من إبداعاته وتفاصيل حياته الخاصة. وهي خطوة أثارت إعجاب الكثير من المبدعين العراقيين الذين طالبوا السلطات بالمزيد من الاهتمام برموز البلد.

ما بين كتابين أحدهما صادر عام 1991 بعنوان “27 قصيدة للسياب بخط يده”، والثاني “بدر شاكر السياب مقدمات وصفحات نادرة” صادر في 2013، تبرز مسافة زمنية كبيرة حاول الكاتب العراقي محمد صالح عبد الرضا البحث على امتدادها بعالم شاعر الجنوب.

حين يحضر السياب بمهرجان شعري باسم محمد مهدي الجواهري لا يترك ذلك لمحبي الشعر مبررا للغياب، رمزان للعراق رحلا لكن إبداعهما الحاضر دائما استقطب مئات المثقفين من أرجاء العراق ببغداد.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة