المقاهي الثقافية بالجزائر.. ديمقراطية المعرفة والفنون والجوائز

جمعية "نوميديا" أطلقت المقهى الثقافي لتكسر نمطية ارتباط النشاط الأدبي والثقافي بالقاعات المغلقة (مواقع التواصل)
جمعية "نوميديا" أطلقت المقهى الثقافي لتكسر نمطية ارتباط النشاط الأدبي والثقافي بالقاعات المغلقة (مواقع التواصل)
فاطمة حمدي-الجزائر
 
على طاولة هذا المقهى، تغيب القهوة ويحضر بنّ الثقافة والفن في الجزائر، حيث تتعالى الأصوات لترتطم بصرخة شاعر وهو يلقي قصيدته على مسمع الحضور، هنا يلتحم الأدب بالمسرح بالموسيقى.
 
يلفت انتباه المار جمع غفير من الناس يشكلون حلقة وسط المدينة، ببرج بوعريريج شرقي الجزائر العاصمة، يحاول أن يتسرب بين لحمة الناس المتسابقين على الحصول على شرف الصّف الأول، لا ينتبه له أحد لأن الكل منصهر في العرض.

يقف وسط الحلقة الكاتبُ عبد الرزاق بوكبة بهيئته المبعثرة كجو هذا المقهى الذي فكّر فيه رفقة مجموعة من أعضاء جمعية "نوميديا"، يحمل قلم الريشة الذي اشتهر به، يخاطب الجمهور بلا صراخ، رغم أن العرض في الشارع!
 
راودت فكرة المقهى الإعلامي عبد الرزاق بوكبة حين بدأ يستوحش خلوّ قاعات النشاط الثقافي من الجمهور بسبب ما سماها نمطية التنشيط وعدم إشراك المتلقي في مناخ النشاط المقدّم وعدم الاستثمار في الوسائط الجديدة من زاوية التسويق للمواعيد الثقافية.

مولود بعمر الخمسة أشهر لا يشبه المواليد الجدد، ينطق، يعبّر، يبدع، يجمع المتفرق، مولود مشى على رجليه قبل أوانه، فجاب ولايات عدة، لفت الأنظار نحوه وهو ابن الأشهر القليلة، إنه فقط "المقهى الثقافي".
 

يرى المسرحي الجزائري حليم زدام أن الجلسات الثقافية المفتوحة على الجمهور كسرت الصورة النمطية لرواد الثقافة وربط المسرح بالنّخبة، حيث إن نسبة كبيرة منهم لا تنتمي إلى المتابعين الكلاسيكيين، بل إلى فئة الشباب من أطباء ومهندسين ورياضيين وعاملين وعاطلين عن العمل..

في فوضى خلاقة، يقف الجميع، يتابع عصا الكمان وهي تداعب أوتار العلبة الخشبية بأنامل الموسيقي محمد شميسة في مقهى مدينة معسكر حيث خرج مسرح وهران (غرب البلاد) في عرض للشارع.

تشير الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق، في تصريحها للجزيرة نت، إلى أن الإرهاب الحقيقي هو أن نستسلم للخوف من كسر عادات ترسّخت في المجتمع الجزائري جراء حقبة سوداء، "تجاوزناها زمنيا ونفسيا وحان دور الطبقة المثقفة أن تعود لتمارس السعادة كما كانت تفعل دائما".

وعن هذه المبادرة، يقول الشاعر المغربي محمد حياري إن للثقافة متعة خاصة كشرب فنجان قهوة فاخرة، وهي همّ يومي يأخذك إلى كل جهات الوطن محمولا على بساط التطوع، وعندما يبتلى شخص بالثقافة يحملها إلى قمة الجبل دون أن تسقط.

يوصي حيّاري القائمين على المقهى الثقافي الذي شبّهه بصالون الأدبية الفلسطينية مي زيادة (1886-1641) فيقول "عليكم يحمل الفانوس إلى كل ربوع الجزائر لتتبعكم الفراشات، أنا أنظر إليكم من هنا.. من المغرب، لأهنئ الجزائر، بكم سنبني معا جسرا ثقافيا وسنشرب قهوات كثيرات".

يهدف القائمون على المقهى الثقافي إلى محو فكرة أن الجزائر بلد حزين، هذه الصورة النمطية التي لا يزال يتصورها البعض رغم طي صفحة عشرية الدم منذ أزيد من عقدين.

المقاهى الثقافية بالجزائر باتت فضاء لتقريب الثقافة من الجمهور بعفوية ودون قيود (مواقع التواصل)

لا يمتثل المقهى الثقافي، الذي انطلق من مدينة برج بوعريريج نحو مشارق الجزائر ومغاربها، لأصوات الخوف من مواجهة الفنان بالشارع، خلع رداء العزلة التي فرضت عليه منذ ثلاثة عقود، وقرّر اقتحام الشارع دون انتظار مبادرة الجمهور الذي أدار ظهره للمسرح ولم يبق للفن الرابع سوى فنانيه.

وقع اختيار القائمين على المبادرة على قلعة المقراني التي تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي فضاء مفتوح يتوسط المدينة، على أن تكون الجلسة وجبة متعددة الفنون من شعر وموسيقى وتشكيل وفيلم قصير ومسرح وكتب.

ويحرص القائمون على المقهى الثقافي على أن يكون " تنشيط الجلسة عفويا واحتفاليا وطقوسيا ويقوم على الأخذ والعطاء مع الحاضرين".

لا يقتصر المقهى الثقافي على المسرح، بل هو مشروع ذو روافد متنوعة منها الجوائز التي تهدف إلى تثمين المواهب في مختلف المجالات من بينها جائزة "امحمد بن قطاف" و"جائزة محمد ولد الشيخ" في نصوص الصحراء، وهما جائزتان تم الإعلان عنهما بتمويل من وزارة الثقافة.

وسيطلق مقهى مدينة تلمسان (600 كلم غرب العاصمة) جائزة عمار بلحسن في القصة القصيرة، في حين يعلن مقهى بومرداس (50 كلم شرق العاصمة) جائزة مالك بوقرموح في النص المسرحي المكتوب بالأمازيغية.

إلى جانب إطلاق مقهى معسكر (500 كلم غرب العاصمة) لجائزة بختي بن عودة في الكتابات الفلسفية، ومقهى تندوف (2000 كلم جنوب العاصمة) جائزة الشعر الحساني وغيرها من المبادرات.

يطوي الفنانون والمثقفون المشاركون في المقاهي الثقافية الأولى من نوعها في الجزائر، واحدة من الصفحات السود في تاريخ عزل الجمهور عن الفن، ليبدأ حلم جديد مع كل مقهى يفتح.

المصدر : الجزيرة