في يوبيله الذهبي.. نقل معرض القاهرة للكتاب بين مبررات الحكومة ومخاوف المثقفين

الوجهة الجديدة لمعرض القاهرة للكتاب في دورة 2019 (مواقع التواصل)
الوجهة الجديدة لمعرض القاهرة للكتاب في دورة 2019 (مواقع التواصل)
محمد ثابت-القاهرة
يحل اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب يوم 23 يناير/كانون الثاني الجاري، ووفق تصريحات وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم، فإن دورة المعرض الخمسين -التي ستستمر حتى 5 فبراير/شباط المقبل- تقام في منطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة) البعيدة تماما عن "أرض المعارض بمدينة نصر"، التي كانت تستضيف المعرض منذ عام 1983.
 
وبذلك تصبح أرض المعارض الجديدة بالتجمع الخامس ثالث منطقة تستضيف المعرض منذ نشأته عام 1969، ومثلما شهد نقل المعرض من ساحة دار الأوبرا قرب ميدان التحرير في قلب القاهرة إلى مدينة نصر عام 1983 اعتراضات للمثقفين، يشهد نقل المعرض للتجمع الخامس اعتراضات أشد وصلت لحد اتهام النظام المصري بإقصاء المعرض عن أماكن تجمع المثقفين والجماهير، في حين تبرر الحكومة القرار بالتجديد والتطوير، خاصة مع ما وصفتها بالحالة "المزرية" التي وصلت لها أرض المعارض القديمة.
 
بمناسبة افتتاح دار الأوبرا المصرية في الأول من فبراير/شباط 1969، كلف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وزير الثقافة ثروت عكاشة بإقامة أول معرض للكتاب في مصر بمشاركة مئة ناشر من خمس دول فقط.
 
كان الغرض السياسي من إقامة المعرض إثبات أن مصر لا تزال قلب الوطن العربي النابض، رغم قسوة الهزيمة في حرب يونيو/حزيران 1967، وجاء افتتاح المعرض حينها مواكبا الذكرى الألف لتأسيس القاهرة (969م). لكن مع توالي السنوات ضاقت أرض المعرض بالمشاركين والجمهور.
 
ثلاثون عاما بمدينة نصر
بعد 14 عاما، وقع الاختيار على أرض المعارض الدولية في مدينة نصر، وشهد الموقع الجديد للمعرض ازدياد مساحته لتبلغ 7200 متر في البداية، ثم وصلت إلى مئة فدان لاحقا.
الدورة الخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب تقام من 23 يناير/كانون الثاني حتى 5 فبراير/شباط القادم (الجزيرة)
 

وفي مدينة نصر -التي كانت تعد صحراء عام 1983 عند إقامة أول دورة للمعرض- تضاعف عدد الجماهير، ووصل العام الماضي بحسب الأرقام الرسمية إلى نحو أربعة ملايين زائر، وفي عام 2006 تم اختيار معرض القاهرة كأفضل معرض في العالم بعد معرض فرانكفورت. واستمر المعرض سنويا لأكثر من ثلاثين عاما باستثناء دورة عام 2011 بسبب أحداث 25 ثورة يناير/كانون الثاني.
 
معرض ورؤساء
لم يحرص الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر على زيارة المعرض رغم افتتاحه في عهده لدورتين، وصار السادات على النهج نفسه، في حين خالفهما حسني مبارك، إذ حرص منذ عام 1987 على زيارة المعرض سنويا، بل تخصيص لقاء مع المثقفين، ولم يتخلف مبارك عن عادته في افتتاح المعرض إلا في عامي 2003 و2009، قبل أن تجبره الثورة على التنحي في 2011.
 
وفي 23 يناير/كانون الثاني 2013 افتتح الرئيس الأسبق محمد مرسي فعاليات الدورة الـ44، والتقى نخبة من المفكرين والفنانين والناشرين، وفي العام التالي افتتح المعرض الرئيس المعين عدلي منصور، لكن السيسي أعاد سيرة عبد الناصر والسادات، ولم يحرص على افتتاح معرض الكتاب أو لقاء المثقفين.
 
أبرز أحداث المعرض
شهد معرض القاهرة للكتاب أحداثا عدة، كان أبرزها مشاركة إسرائيل عام 1981 بأوامر من السادات، مما أثار ردود أفعال غاضبة، ورغم التكثيف الأمني فإن بعض المتظاهرين وصلوا للجناح الإسرائيلي داخل المعرض وأحرقوا العلم، مما أدى إلى منع مشاركة إسرائيل مرة أخرى.
 
أما دورة 1992 فشهدت أبرز حدث ثقافي استضافه المعرض، وهو المناظرة الشهيرة تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والمدنية" بحضور الداعية الشهير محمد الغزالي والمرشد العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين مأمون الهضيبي والمفكر الإسلامي محمد عمارة، وفي الطرف الآخر رئيس حزب المستقبل فرج فودة والعضو البارز في حزب التجمع اليساري محمد أحمد خلف. وقدر عدد جمهور المناظرة بثلاثين ألفا احتشد أغلبهم خارج القاعة مستمعين عبر مكبرات صوت وتنظيم أمني محكم.
 
وفي عام 2005 وأثناء لقاء مبارك بالمثقفين، وقف المفكر الراحل محمد السيد سعيد يطالب مبارك بالإصلاح السياسي والاقتصادي بشكل لافت، مما أغضب الرئيس حسني مبارك.
جانب من فضاء معرض القاهرة للكتاب في دورة 2019 (مواقع التواصل)
 
 
مبررات ومخاوف
تقول صفحات وزارة الثقافة على مواقع للتواصل، إن وضع أرض المعارض بمدينة نصر أصبح "مزريا" فلا شبكة إنترنت، ولا مكان كافيا لاستيعاب الجمهور والمشاركين والفعاليات الثقافية، مما يضطر بعض دور نشر لعرض الكتب في خيام، وهو ما يعرض الكتب لمخاطر التلف نظرا للأمطار.
 
في المقابل، يتفق بعض المثقفين على أن أرض المعارض بمدينة نصر تحتاج لعناية وتنظيم كبيرين، إلا أنهم لا يرون الوضع مترديا كما يراه المسؤولون في الدولة.

بل إن كثيرا من المعنيين بالثقافة أعلنوا عن مخاوف وقلق من تفريغ المعرض من محتواه والإقبال المتزايد عليه بنقله إلى منطقة بعيدة، عرفت بالأجواء الارستقراطية البعيدة عن الاحتفاء بالمعرض عبر الزحام الجماهيري.
 
يؤكد هؤلاء المثقفون رؤيتهم بأن منطقة الحي الخامس غير مسموح فيها بدخول المواصلات العامة لنقل الفقراء والبسطاء للمعرض، على النقيض تماما من منطقة المعارض السابقة في مدينة نصر المزدحمة بالمواصلات العامة، خاصة بعد تخصيص محطتين من مترو الأنفاق لخدمتها.
 
يصل الأمر ببعض الناشرين والمثقفين إلى التأكيد على أن نقل المعرض إلى التجمع الخامس ما هو إلا حلقة في مسلسل تفريغ القاهرة من أبرز الفعاليات المعروفة بها، تمهيدا لافتتاح للعاصمة الإدارية الجديدة.
 
وبحسب الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات، فإن المعرض الجديد عبارة عن أربع قاعات، مساحة كل منها عشرة آلاف متر، ولا يوجد عرض مكشوف، والقاعة الأولى مخصصة لكتب التراث والأزهر والسعودية، والقاعة الثانية للناشرين العرب والكتب الأجنبية، أما القاعة الثالثة فهي مخصصة للناشرين المصريين، والقاعة الرابعة قاعة المعرض الرئيسية وناشري الأطفال.
المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: