عجوز أسكودار.. فوضى الأنا في محراب "مهرما سلطان"

خليل مبروك-إسطنبول

سحَرَ جامع "مهرما سلطان" عيون الفاتحين واسترهبهم وأطلق لأرواحهم العنان للتجول في ضواحي الزمان الجاثم عند أقدام البوسفور.

وحده ذلك العجوز كان يعلم ما جرى، فراح يطبق على تفاصيل الحكاية التي أثقلته حتى انحنى ظهره تحت حدبة لا يدري أحد ما عايشته من أحداث في حي أسكودار العتيق على الضفة الآسيوية من المضيق الذي يشطر إسطنبول.

وجامع "مهرما" أو "حريم السلطان" في أسكودار يختلف بموقعه عن سميه في منطقة "أديرنا كابي" بحي الفاتح الأوروبي في المدينة، لكنهما يجتمعان بصورة بانيهما مهندس الزمن العثماني الجميل ميمار سنان، الذي اشتهر صنيعه بعظم البنيان المرتبط بأسر الباشوات ونعيم السلطان.

الطريق من أحد أزقة حي أسكودار إلى جامع "مهرما سلطان" (الجزيرة)

رحلة العرض
دخل السينمائي والأديب الفلسطيني نورس أبو صالح الجامع "الأسكوداري" للمرة الأولى حين حط رحاله العام الماضي (2017) في إسطنبول ليعرض الأفلام التي أنتجها في 13 مدينة تركية.

كانت رحلة العرض تقتضي من المخرج الشاب أن يقيم في أسكودار لثمانية أشهر، ظل يتردد خلالها على جامع مهرما، وكان العجوز يرافقه قدرا كظله في تلك الجولات.

وبحسه الدرامي راح أبو صالح يتساءل عن قصة العجوز وما مر به من أحداث في رحلة حياته التي استعصت تفاصيلها على المخرج الشاب.

انشغل نورس في ضجة الحياة الإسطنبولية الطاحنة، فحاول الهرب إلى مربع الأحاسيس بتعلم العزف على الناي الذي لم يكن أيضا كافيا لإبعاد فكره عن كنه عجوز أسكودار.

ويقول أبو صالح "لقد شغلتني حكاية ذلك العجوز إلى حد أني بقيت أتأمل فيه وأنسج حوله حكايا وقصصا ذات أبعاد مكانية وزمانية وإن كانت من بنات أفكاري ومن صنع خيالي".

ويضيف "كنت أصنع تلك القصص من دون إنشاء حوار، وكانت الأحداث تدور حول الجامع والمصلين ومن مروا عليه ومن عاصروه وحول اسمه المرتبط بالنعيم والجمال، فهنا في إسطنبول تأسرك المشاهد الجمالية وتملك عليك كل الجوانح".

أحد أزقة حي أسكودار في الشق الآسيوي من إسطنبول (الجزيرة)

سر العجوز
نقلت الرواية مؤلفها إلى أبعاد فلسفية تتعلق بالمجهول وهو يصف بحثه عن سر العجوز فيقول "توارى العجوز عن أنظاري، ودارت في التساؤلات، هل يوجد هم أكبر من عدم الموت وحيداً؟ وما همي الأنبل الذي يجب أن أحمله الآن؟".

ويستجمع الراوي قواه محدقا في تفاصيل المسجد الذي اتكأ إليه من دون أن تغيب صورة العجوز عن عينيه وهو يقول "أسندت ظهري إلى جدار مهرما، قلبت بصري في قبابه، أنتظر الإشارة، ولما انكسر البصر حسيراً، غفوت".

بل وذهب أبو صالح في قصصه إلى إسقاطات التغريبة الفلسطينية وسرديات معاناة الشعب الذي لا تغيب حكايته عن سراديب الأدب العربي، لتخرج رواية "عجوز أسكودار" بصورة خليط من كفي جدته يقطر أحدهما زيتا والآخر دما ليحاكي بهما خليط الرواية الذي يجمع بين التصوف والحنين الوطني والقيم الجمالية.

ولا ينفي أبو صالح صفة "الخليط المجنون" عن روايته التي يبدو تأثرها جليا بخلفيته الدرامية والسينمائية التي صنعت قصصا من نسج مخيلته وأسقطتها على المكان والزمان الحقيقيين، مبينا أن عجوز أسكودار كان يجسد له ذاته "الأنا" في كثير من الأحيان.

ويشير إلى أن النقاد الذين عرض الرواية عليهم التفتوا إلى طبيعتها "المشهدية" العالية التي تأثرت بالكاميرا والخيال والتجربة السينمائية، دون أن يستبعد إمكانية تحويل عجوز أسكودار مستقبلا إلى بطل لفيلم روائي.

ويقول إن روايته تأثرت بالبعد السردي الذي تمرس عليه مطولا أثناء نشاطه مدونا في مدونات الجزيرة ومن عمله كاتبا لسيناريوهات الأفلام.
 
وتزخر الرواية الواقعة في 130 صفحة من حجم "النوفيلا" والصادرة عن "دار المشرق" والتي توزعها الشبكة العربية للأبحاث في العاصمة الأردنية بالمشاهد التصويرية المدعمة بلغة شديدة الرصانة وكأنها قطعة أدبية بديعة البيان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من شخصيات
الأكثر قراءة