الخطاب والمعرفة.. قراءات نقدية لسردية الرحلة العربية

عبد الحكيم أحمين

بعد أن ضاقت رفوف المكتبات العربية بالدراسات المتشابهة في قراءة وتحليل أدب الرحلة العربية فتح الناقد والأديب الدكتور إبراهيم الحجري مقاربة جديدة لدراسة سرديات الرحلة العربية من خلال الأدوات والمفاهيم التطبيقية الحديثة للأنثروبولوجيا.

جاءت تلك المقاربة غير المسبوقة في كتابه الجديد "الخطاب والمعرفة.. مقاربة سردية أنثروبولوجية" الذي نشره المركز الثقافي العربي مؤخرا، والذي أحاطه بضبط علمي آخر تمثل في اختيار نص ابن بطوطة متنا مركزيا للبحث في سرديات الرحلة العربية.

وإذا كان تركيز السرديات ينصب على عناصر الزمن والمكان والشخصية والحدث والمنظور، إضافة إلى اهتمامها ببنية المحكي أساسا فإن هذه العناصر هي بوابات لتغطية الجوانب الإنسانية الأساسية التي تشتغل بها الأنثروبولوجيا الثقافية، بل هي الكواشف والتجليات التي يتمظهر عبرها السلوك البشري.

ويقول الكاتب إن "النص السردي الرحلي هو أكثر الأنواع السردية استجابة لهذه المقاربة، لكونه يضع بين يدي المتلقي بيانات ثرية وتقارير شاملة حول إنسان المرحلة أشبه ما تكون بالعمل الذي يقوم به الإثنوغرافي، لكنه غير واع، أي أن الهدف بين العملين (العمل الوصفي والعمل الرحلي) كان واحدا".

لكن الحجري -الذي سبر من قبل خفايا السرد الروائي العربي أيضا- لم يكتف بنص ابن بطوطة، بل استعان أيضا بنصوص أخرى لرحالة آخرين بوصفها المحيط المعزز لبيانات النص المركزي مركزا على طبيعة المادة الإثنوغرافية الثرية التي تستضمرها النصوص، وخصوصيات الصوغ السردي في آن واحد.

‪الناقد إبراهيم الحجري مؤلف كتاب "الخطاب والمعرفة.. مقاربة سردية أنثروبولوجية‬ "(الجزيرة)

من السردي للإنثروبولوجي
وقد قسم الباحث دراسته إلى بابين: الأول خصصه لتحليل البنى السردية في الرحلات مراعيا خصوصية المتن المدروس وميزات نوع الرحلة الذي حقق على مستوى التدوين تراكما مهما في العصور الوسطى خاصة، فتناول عناصر السرد داخل هذه النصوص كلا على حدة: الشخصية، صيغ الحكي، التبئير، والفضاء، مبينا ما يميز كل عنصر عن نظيره في النصوص المتنوعة، ومركزا على هيمنة الخبر على السرد، ومبرزا تأثير ذلك على العالم السردي ككل.

وخصص الباب الثاني لمقاربة المادة السردية التي أفضى إليها الخطاب الرحلي مقاربة تستند إلى المنظور الأنثروبولوجي من خلال توظيف بعض المفاهيم "الإناسية" في تحليل العالم الذي تقدمه لنا المتون الرحلية وفق الرؤية التي تحكم صاحب الرحلة، ومعرفة كيفية اشتغال نسق التفكير والقيم لديه.

وافتتح الحجري هذا الباب بتوطئة فسر فيها كيفية الانتقال من السردي إلى الأنثروبولوجي بشكل يجعلهما يخدمان بعضهما، حيث إن "باب الخبر" سمح لنا باقتحام عالم الأسماء والأزياء والصحة والمرض والزواج والطعام وغيرها من الظواهر التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات.

كما قاده الفضاء السردي إلى تعرف على عالم العمران بتجلياته المختلفة في عالم القرون الوسطى، وما يحيل إليه كل نموذج عمراني وفق ما يوحي به من رموز وجماليات وأشكال لها صلة وثيقة بالمتخيل الذهني البشري في كل مجتمع على حدة.

أما عنصر "التبئير" فقد أحاله إلى محاورة المتخيل الرمزي للمقدس والفلكلور والغناء والرقص والموت والسحر والألعاب وغيرها من البنيات الذهنية، وتعرف على ردود الأفعال الواعية واللاواعية ضدا على عوامل الطبيعة، وكذلك تجاه الظواهر القاهرة للإنسان "مما يدل على أن كل هذه التمظهرات ما هي سوى انعكاس وامتداد لثقافة المجتمع ورؤاه وتمثلاته للكون والطبيعة والحياة".

‪سعيد يقطين: عمل الرحالة يشبه عمل الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي الذي يقضي شطرا من حياته للتعرف على عادات قوم وتقاليدهم‬ (الجزيرة)

جدة التحليل والتطبيق
في توضيحه للجدة التي تميز مقاربة الحجري يقول الناقد السردي الدكتور سعيد يقطين إن عمل الرحالة يشبه عمل الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي الذي يقضي شطرا من حياته للتعرف على عادات قوم وتقاليدهم، ليقدم لنا رؤية دقيقة تتماشى مع طبيعة تصوره الخاص عن هؤلاء القوم، فيكون الإمتاع والاستغراب.

لكن الفرق بينهما يكمن في كون الأول ينطلق من فطرته وتصوراته التي شكلها عن العالم في محيطه الجغرافي والثقافي، أما الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي فينطلق -علاوة على ذلك- من خلفية علمية مؤسسة على تصور خاص بالعلوم الاجتماعية التي يتأطر عمله في نطاقها.

ويضيف يقطين أن خصوصية دراسة الحجري تكمن في اعتبارها تطويرا للدراسة العربية الأدبية التي اهتمت بتحليل الرحلة، وفي الوقت نفسه يمكن عدها تجاوزا للعديد من الدراسات التي ظلت بمنأى عن معالجة الرحلة من منظور علمي، فكانت "السرديات الأنثروبولوجية" منطلقا جديدا في التحليل والتطبيق.

ويتابع "إن تحقيق هاتين الغايتين يفتح مجالا جديدا للتفكير والدراسة، ليس فقط في تناول الرحلة، ولكن أيضا في دراسة السرد العربي القديم بصفة عامة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

صدر بالمغرب كتاب بعنوان "رحلات الحج في الشعر الأمازيغي" للإعلامي محمد أعماري، وهو تعريب لقصائد كتبها بعض عمالقة الشعر الأمازيغي، وذلك في محاولة للإسهام في تدوين وحفظ التراث الأمازيغي.

قراءة في كتاب المفكر المغربي حسن أوريد "أفول الغرب" يتوقع فيه مستقبلا مظلما للعالم العربي طالما استمرت أزمة الغرب الذي فقد وفقا للكاتب البوصلة وروح القيادة والانسجام بين سياسات قياداته.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة