حين يقرض السنغاليون الشعر العربي ويتغنون بفلسطين

عشرات الشعراء بالعربية في أمسية لدعم شعب الروهينغا (الجزيرة نت)
عشرات الشعراء بالعربية في أمسية لدعم شعب الروهينغا (الجزيرة نت)

محمد الأمين-داكار

ترى غاصبيها يطلقون رصاصهم .. على عزّل فيها، وما هبَّ مسلم!

يحسّ الشاعر السنغالي الشاب مصطفى سيلا بغصة حين يترنم بشعره في قضية فلسطين، رغم بُعد المسافة واختلاف الثقافة، فهو شاب أفريقي سنغالي تربى وترعرع خارج دائرة العالم العربي، لكن إتقانه اللغة العربية في المعاهد السنغالية وتعلقه بقضايا أمته جعله -على غرار آلاف الشعراء السنغاليين- يقرض الشعر كأي شاعر عربي، ويجعل من بين أغراضه الأساسية قضية الأمة الأولى فلسطين والأقصى.

إلى جانب سيلا يجلس قرينه مالك سك يقرض الشعر العربي الفصيح هو الآخر، ويفاخر بمداركه اللغوية في لغة الضاد، ويرى أن الشعر العربي أبلغ وأقدر من أي شعر آخر، كما أنه يعتبر اللغة العربية على درجة من البلاغة والسعة تلهم كل ذي شاعرية وذوق ما لا يراه في غيرها.

يغني سك لوطنه ولفلسطين والأقصى وللشعوب المقهورة في كل أرض، لكنه يذوب وجدا حين يتغنى بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم:

لن ترقأنّ دموعهم ما لم تكن .. أهواؤهم تبعا لمن شقّ القمـرْ

طه الذي أعطى الإلهُ رسالةً .. للذكر يسرها، فهل من مدكرْ؟

رسالة إنسانية
وعكس الكثير من الشعراء في بلدان أخرى، يرى مالك سك ومصطفى سيلا أن الشعر موهبة لغوية وأداة مؤثرة من أجل إبلاغ رسالة إنسانية، وليس للتكسب مدحا أو ذما؛ ولذلك يمارس الشابان الشاعران التجارة من أجل توفير لقمة العيش في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه حوالي 16%، فسك تاجر أحذية بينما يعمل سيلا في تجارة الهواتف، وقد داعب أحدَهما زميلٌ آخر شاعر هو عثمان تورى بهذا الخصوص حين قال:

يا شاعرا تاجرا إني عجبتُ لكم .. لجمعكم بين أشعار وأسعارِ

يحكي الشاعر والأديب السنغالي فاضل غَيْ رئيس نادي السنغال الأدبي للجزيرة نت عن انتشار الشعر العربي في السنغال، موضحا أنه نتيجة طبيعية لمدى انتشار لغة الضاد في هذا الشعب حيث يتجاوز الناطقون بها ثلث الشعب السنغالي، فضلا عن ذكاء السنغاليين وتشبعهم بالثقافة العربية والإسلامية وتعلقهم بقضايا أمتهم الإسلامية، فقد غنوا لأرض فلسطين ولشعب الروهينغا وكل قضايا الأمة، بل قضايا الإنسانية عموما.

فاضل غي (يمين) مع الشاعرين مالك سك ومصطفى سيلا (الجزيرة)

وأوضح غَيْ أن نادي السنغال الأدبي يضم مئات الشعراء والأدباء من كتّاب للرواية والقصص القصيرة وغيرها، وأن هذا النادي ينظم أنشطة موسمية لدعم الأدب العربي في هذا البلد، ويقدم جوائز وتكريمات للمبدعين من الشعراء والأدباء السنغاليين باللغة العربية، حتى إن كان ذلك يتم دون الدعم الكافي من الدول العربية.

جوائز ودواوين
وقال فاضل غي إن الشعر العربي، بل الأدب العربي عموما يعيش فترة ازدهار قوية في السنغال، وإن الشعراء السنغاليين بالعربية -وخاصة الشباب منهم- قد حصدوا جوائز متميزة في مسابقات إقليمية ودولية في الشعر العربي، ومن هؤلاء الشاعر أنجيغو جينغ الذي فاز بالرتبة الأولى في مسابقة شعرية بالمدينة المنورة شارك فيها شعراء من مئة دولة، بالإضافة إلى شعراء آخرين مبدعين مثل الشاعر الشاب عبد الأحد الكجوري، والشاعر علي باه وغيرهم.

وتحدث غي عن انتشار دواوين الشعر العربي لشعراء سنغاليين، رغم أن كثيرا من الشباب لا يستطيع توفير ما ينشر به دواوينه الشعرية.

ويرى أن انتشار العربية في السنغال منذ قرون، وكونها كانت سباقة على غيرها من اللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية، وارتباطها بالدين لأنها لغة القرآن، بالإضافة إلى التراث الكبير الذي تركه مشايخ الصوفية في هذا البلد من كتب فقهية أو لغوية أو أدبية بالعربية، وحتى الدواوين القديمة؛ كل ذلك مهد الأرضية لاستمرار إنتاج الشعراء السنغاليين مزيدا من الشعر والأدب العربي في هذه الأرض.

جزء من التاريخ
فاضل غي يضيف أن اللغة العربية كانت هي لغة المعرفة والثقافة في السنغال قبل الاستعمار بقرون، وكانت تستخدم في الإدارة والمراسلات بين رؤساء القبائل وقادة المجتمع، بل أبعد من ذلك، إذ كانت الحروف العربية هي الخط المستعمل في المراسلات باللهجات واللغات الأفريقية في السنغال، وهو ما يمكن الاطلاع عليه من خلال المخطوطات والوثائق في تلك الفترة.

ويرى غي أنه إلى هذه اللحظة ما زال الأدب السنغالي المكتوب باللغة العربية أكثر من المكتوب بالفرنسية، مضيفا أن اللغة العربية في انتشار وآفاقها مبشرة في هذا البلد، فهي تلبي حاجة الأدباء المعرفية وتربطهم بفضائهم الثقافي والروحي.

المصدر : الجزيرة