عـاجـل: طالبان تعلن مسؤوليتها عن هجومين استهدفا تجمعا انتخابيا للرئيس غني في بروان ومقرا تابعا للجيش في كابل

باعة الكتب القديمة بتونس.. نوادر ومآسٍ

بعض عشاق الكتب القديمة الباحثين عما يقتنونه بنهج الدباغين في العاصمة تونس (الجزيرة)
بعض عشاق الكتب القديمة الباحثين عما يقتنونه بنهج الدباغين في العاصمة تونس (الجزيرة)
خميس بن بريك-تونس

تُخفي تجارة بيع الكتب القديمة في تونس نوادر مضحكة بقيت راسخة في ذاكرة بعض التجار، لكن متعة تلك الطرائف لا تحجب المآسي التي يتخبط فيها بعض الباعة المولعين بعالم الكتاب وسحره.

ففي كل يوم يفتح العم خالد متجره الممتلئ بالكتب القديمة بنهج الدباغين (أحد الأزقة العتيقة في قلب العاصمة تونس)، آملا تحصيل الرزق من بيع الروايات والبحوث والمعاجم بشتى اللغات، والتمتع بالحديث مع الزبائن.

ويبدو متجره في وسط نهج الدباغين (المعروف قديما بدباغة الجلود قبل أن يتحول إلى قبلة الباحثين عن الكتب القديمة) مكدسا بالكتب المرصوصة فوق بعضها حتى تكاد تبلغ السقف طولا.

نوادر
داخل المتجر تقع عين الزائر على سُلّم مُلتو وضيق يقود إلى طابقين علويين تفوح منهما رائحة الرطوبة المميزة للكتب، والمخزنة بكل شبر من المكان بشكل عمودي كأنها آثار بقايا أعمدة من الكنائس القديمة.

يشير العم خالد إلى زبائن فرنسيين قصدوا متجره لأول مرة بأن عليهم الصعود إلى أعلى لاختيار الكتب الموزعة بحسب المواضيع، لكن بسبب كثرة العناوين وضيق الوقت قرروا العودة لانتقاء كتبهم براحة من البال.

ترتسم ابتسامة لطيفة على وجهه الأسمر عند توديعهم ثم يقول للجزيرة نت إنهم يذكّرونه بزبون اصطحب معه زوجته لشراء كتب، "لكن إلحاحها لشراء فستان أزعجه فوعدني بالعودة من دونها لاختيار كتبه بهدوء".

يُقلّب العم خالد كتبا اشتراها لتوه من باعة متجولين ما يزال يتزود منهم رغم ثروة مكتبته، بينما تستقر الابتسامة في عينيه، مسترجعا قصة زبون آخر زاره قبل أيام لكي يعتذر منه لأنه سرق منه كتابا في صغره.

العام خالد يقلب بعض الكتب القديمة (الجزيرة)

يقول ضاحكا "لم أكن أتصور ذلك المشهد إذ جاءني مؤخرا رجل كهل يحمل بيده كتابا قديما حول كأس العالم لكرة القدم 1990، ثم أخبرني أنه جاء ليعيد لي كتابا كان سرقه من متجري، راجيا أن أغفر له طيش صغره".

وقبل فترة زاره أيضا زبون قديم كان يثق بوفائه، لكن الأخير أعلمه أنه كان يدفع له ثمن كتاب واحد في حين كان يسرق كتابين آخرين بأمتعته كل مرة، وأراد الزبون أن يعوضه عن ثمنها بعدما تيسرت ظروفه المادية.

ولا يعتبر هذا البائع أن سرقة الكتاب بدافع المطالعة عمل بغيض، فسارق الكتاب بمثابة طفل جائع نزع رغيف خبز لسد رمقه، وفق العم خالد الذي يبدو من خلال تجربته أنه تعود على مطالعين من نوع خاص.

وتبقى أكثر الأشياء المزعجة لديه أولئك الزبائن الذين يتجهون لمتجره لشراء الكتب القديمة من أجل الزينة. ويقول "كثيرا ما يطلبون شراءها بأسعار بخسة بتعلة أنهم لن يطالعوها وأنهم سيشترونها لمجرد التزويق". 

مآسٍ
وبقطع النظر عن هذا، لا يعكر العلاقة بين باعة الكتب القديمة وعشاقها شيء؛ ففي نهج الدباغين يعرض التجار كتبهم على قارعة الطريق، بينما يتنقل رواد الكتاب على مهل بين الكتب المفروشة لانتقاء أفضلها. 

وبين هؤلاء يقف العجوز معمّر بظهره المنحني بجانب كتبه المعروضة بأكياس وصناديق بلاستيكية بزقاق ضيق، منتظرا إقبال زبائنه من مختلف الشرائح لشراء الكتب القديمة بأسعار متدنية، بعضها ثمنه أقل من دولار واحد. 

أمضى هذا الرجل ثلاثة عقود في بيع الكتب القديمة في نهج الدباغين، بعدما نزح للعاصمة تونس من بلدته الجنوبية سيدي بوزيد ملهمة الثورة التونسية، لكن أمله في إنشاء مكتبة عصرية تلاشى جراء ظروف حياته القاسية.

العم معمر يقف أمام كتبه المعروضة على قارعة الطريق (الجزيرة)

يحظى الرجل باحترام كبير من قبل زبائنه بفضل درايته الدقيقة بالكتب والبحوث التي يحسن أولا شراءها من مزوديه قبل أن ينصح بها لاحقا زبائنه من تلاميذ وطلبة وجامعيين ودكاترة وقضاة ومحامين وفنانين وغيرهم.

استطاع العم معمر قبل الثورة بفضل لياقته أن يجمع آلاف الكتب القديمة من المنازل والأسواق والتجار، لكن لسوء حظه انتزعتها منه الشرطة قبل سقوط النظام السابق بدعوى أنها كانت تضم كتبا دينية محظورة.

ازداد حجم مآسي الرجل بعد طرده بالقوة العامة من منزل استطاع بناءه بجمع المال من بيع الكتب، وبينما اضطرت زوجته السابقة لاستئجار منزل صغير، التحف العم معمر العراء في الشوارع لأشهر إبان الثورة عام 2011. 

لكن بفضل ولعه بالمطالعة وحبه الكتب، نجح هذا العجوز في استدانة بعض المال من زبائن أوفياء وأعاد تجميع كتب قديمة لإعادة بيعها وكسب قوته وتسديد كلفة تخزين كتبه في بعض المستودعات الصغيرة في نهج الدباغين.

إلى اليوم، يواصل العم معمر مهنته المفضلة في نهج الدباغين للإنفاق على نفسه وولده المعاق، آملا أن يتمكن من إنشاء مكتبة صغيرة تنهي معاناته في بيع الكتب القديمة على الرصيف.

المصدر : الجزيرة