مهرجان عشتار.. نافذة على الفن العراقي المعاصر

جانب من اللوحات المشاركة في مهرجان عشتار ببغداد (الجزيرة)
جانب من اللوحات المشاركة في مهرجان عشتار ببغداد (الجزيرة)

مروان الجبوري-بغداد

من مدينة الديوانية جنوبي بغداد، قدم علاء سمير حاملا معه آمالا كبيرة بأن تفتح له العاصمة باب الولوج إلى عالم الفن، فليس من السهل أن يكون الإنسان فنانا في مجتمع تقليدي محافظ كالديوانية.

استهواه الخزف في البداية، لكنه قرر الانتقال إلى النحت بعد أربع سنوات لما وجده فيه من "روحية مختلفة" يستطيع من خلالها التعبير عما يعيشه العراق من أوضاع مضطربة، ليشق طريقه عبر معهد الفنون الجميلة ثم أكاديمية الفنون بجامعة بغداد.

كانت بغداد فاتحة لآفاق جديدة أمام علاء، فبدأ يرتاد المعارض والمهرجانات الفنية، ويتعرف من خلالها على مدارس الفن الحديث، ويبدأ في المشاركة بعد حين في هذه المعارض.

ورغم أن بعض المدن العراقية كانت حتى قبل بضع سنوات لا تستسيغ هذه الفنون، وتنظر إليها بنوع من الاستغراب وعدم القبول، فإن الوضع تغيّر حاليا، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي جلبت له كثيرا من التفاعل مع الجمهور، كما يقول.

ويشتكي علاء من "نخبوية" الفنون التشكيلية في العراق، فمعظم المهتمين بها هم من الوسط الفني، وهو ما يتطلب مزيدا من الدعم والترويج الإعلامي كي يكسر النحت والفن التشكيلي "قيود الصفوة"، ويكون معبرا عن هوية مجتمع بأكمله.

وعبر مشاركته في مهرجان "عشتار للفنون" الذي أقيم في بغداد، نال علاء الجائزة الأولى في مجال النحت بعد أن تفوق على أعمال مشاركة عديدة.

إحدى المنحوتات المشاركة في المهرجان (الجزيرة)

ورغم انقطاعه مؤخرا عن العمل في هذا المجال بسبب انشغاله بدراسة الماجستير، يؤكد علاء أن هذه الجائزة ستكون دافعا له لتقديم المزيد من الإبداع، ومحاولة الخروج نحو آفاق عربية وعالمية.

صدى للمعاناة
ويجتذب مهرجان عشتار الذي تقيمه جمعية الفنانين التشكيليين سنويا، عشرات المشاركين بمجالات الفن التشكيلي والنحت والخزف، جميعهم من الشباب الذين وجدوا فيه نافذة يطلون من خلالها على المجتمع.

وتمثل نور عبد قصة نجاح أخرى، لكن في مجال الفن التشكيلي هذه المرة، حيث نالت جائزة تقديرية من إدارة المهرجان تقديرا لمشاركتها بلوحة حملت عنوان "طريق".

تقول نور إنها نشأت في عائلة فنية، فوالدها تشكيلي معروف هو عبد علي طعمة، وهو ما ساعدها في أن تسلك هذا الطريق بتشجيع من أسرتها.

وفضلا عن ذلك، فقد منحها ذلك فرصة الاستفادة من تجارب فنية مختلفة عن طريق والدها الذي كان يصطحبها منذ طفولتها إلى المعارض والمهرجانات التي كان يشارك فيها.

ومنذ عام 2006 بدأت مسيرتها في عالم الفن التشكيلي بمشاركة صغيرة في معرض لحقوق الإنسان، قامت وقتها بتقليد لوحة لفنان روسي، فلقيت استحسان الحاضرين ونالت جائزة رغم صغر سنها، تلتها مشاركات أخرى وجوائز عدة.

الفنانة التشكيلية نور عبد نالت جائزة تقديرية من المهرجان (الجزيرة)

وتؤكد نور أنها اختارت أن تكون أعمالها صدى لمعاناة المرأة العراقية، لأنها في الغالب "لا صوت لها"، وهو ما جعلها تركز على قضايا تعانيها المرأة في المجتمعات الشرقية كالظلم الاجتماعي والتحرش وغير ذلك، وتعبر عنها في لوحاتها.

مشاركة كبيرة
وقد احتضن المهرجان في نسخته السادسة هذا العام مشاركات لأكثر من 120 فنانا شابا من مختلف أنحاء العراق، ويقول رئيس جمعية الفنانين التشكيليين قاسم سبتي إن المكان لم يتسع لأعمالهم.

ويضيف سبتي للجزيرة نت أن بعض الأعمال كانت متميزة هذا العام، و"تستحق أن تشارك في معارض عربية وعالمية".

وبحسب رئيس الجمعية، فإنهم لا يتلقون دعما من أي جهة حكومية أو أهلية لرغبتهم في المحافظة على استقلالية هذا التجمع الفني الذي أنشئ عام 1956 وافتتحه الملك فيصل الثاني.

توزيع الجوائز على المشاركين من قبل بعض الفنانين الرواد (الجزيرة)

وحول مصادر الدعم، يؤكد سبتي أنهم يمتلكون ناديا اجتماعيا يستطيعون من خلاله تغطية نفقات الجمعية التي تقدم دعما للفنانين العراقيين يتمثل في رواتب لبعض ذوي الدخول المحدودة، وتوفير مواد لعملهم، وعلاج صحي وسفر للمشاركة في بعض المعارض العالمية.

وقد شارك في احتفال توزيع الجوائز فنانون رواد، حضروا لتقديم دعم معنوي للفنانين الشباب الذين تم اختيار أعمالهم من بين مئات الأعمال المقدمة.

لكن الجمعية وضعت حدا أدنى من الشروط للتقدم لنيل الجائزة من أجل الحفاظ على مستوى متميز، ومن بين هذه الشروط عدم كون العمل مستنسخا أو ضعيفا وفقا للمعايير التي وضعتها لجنة مكونة من فنانين معروفين، بحسب سبتي.

وقد انطلقت هذه الجائزة أول مرة عام 2005، لكنها اضطرت للتوقف بعد ذلك بسبب الظروف الأمنية التي مرت بها البلاد، قبل أن تعاود نشاطها في السنوات الأخيرة بفضل الاستقرار النسبي الذي يعيشه العراق منذ مدة.

المصدر : الجزيرة