المصطلح السياسي وظِلال المعاني

أحمد العيساوي*

نعيش اليوم في عالم تتسارع أحداثه وتتنوع مصطلحاته بشكل مخيف، حتى أصبح الخبر يتنقل بسرعة غير مسبوقة، وغدا السبق الإعلامي يُحسب بالثواني، والمصطلحات تنهمر علينا، فمنها العلمية والطبية والرياضية والاجتماعية، ومنها مصطلحات سياسية تتنوع فيها وجوه الفهم وتتبدل معانيها "كالحرباء".

فإذا كانت المصطلحات تمثل وعاء الأفكار، فما الضابط لها عند اختلال دلالتها؟ وأي مرجعية تتحكم فيها؟ هل المرجعية اللغوية؟ أو السياسية؟ أو المرجعية الفكرية والثقافية بكل أبعادها ومناهجها؟

وهل علينا تشكيل مرجعية جديدة تتألف من مرجعيات متعددة للوصول إلى جوهر المعنى والمضمون؟

أصبحنا نستمع إلى المصطلحات المتداولة في وسائل الإعلام المختلفة، والمرئية منها على وجه الخصوص، وهي تتنوع بحسب الحوادث والأزمات والموضوعات، لا سيما أننا نعيش في أجواء ملبدة بغيوم الصراعات والثورات، منها القديم الذي يتجدد كل يوم ويُغذى بأنواع المفاهيم، ومنها الجديد الذي يدور في عالم متغير وغريب يوحي إلى الأجيال القادمة ببشاعة طبيعته، وكل صراع منها يحمل معه مصطلحاته وابتكاراته.

وأصبحنا في كثير من الأحيان نتوقف عند بعضها ونسأل أنفسنا عن مضمونها، وما تعنيه من مفهوم، فبعضها كان معروفا عندنا لكنه اليوم يرتدي ثوبا آخر بلباس جديد، وبعضها لم نسمع به من قبل، وإنما سُوّق إلينا من أباطرة الإعلام، ومراكز الدراسات السياسية، وأُشربنا مفاهيمه ضمن وجبات المعاني التي أُلبست ثوبا لا نكاد نعرف له أصلا أو صاحبا.

إن كنا في السابق قد عرفنا أن الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، وإنما نراها بعيون القلوب، كما قال أبو عمرو بن كلثوم العتابي، فإن معاني اليوم ومفاهيمها لم تَعُدْ كالسابق، وعيون القلوب قد حالت بينها وبين ما تراه غشاوة

وإن كنا في السابق قد عرفنا أن الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، وإنما نراها بعيون القلوب، كما قال أبو عمرو بن كلثوم العتابي، فإن معاني اليوم ومفاهيمها لم تَعُدْ كالسابق، وعيون القلوب قد حالت بينها وبين ما تراه غشاوة، فلم تعد المعاني مطروحة بالطريق، يعرفها العربي والعجمي، كما قال الجاحظ، فواقع اليوم مختلف بكل معانيه.

فعندما يكون قتل الأبرياء "عمليات احترازية" أو فعلا دفاعيا، وعندما يكون دفاع الناس عن حقوقهم وأرضهم عملا إرهابيا، وعندما يُسجن الناس داخل مقاطعات وبلدات مقطعة الأوصال بوساطة جدار حديدي، أو "إسمنتي" مكهرب في ظل حراسة مشددة، فهو "جدار" بسيط، ويجب أنْ نُسلم بذلك ومَنْ يحاول الثورة عليه فهو إرهابي متمرد، وغير ذلك كثير من المصطلحات التي تسمي الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية.

يشكل السياق السياسي اليوم أعلى سلم الأولويات الدولية، فضلا عن ارتباطه بالتخطيط الإستراتيجي والفكري والعقدي، ويزداد الأمر تشابكا عند البحث في مصطلحات علوم اللسان، فيستحيل علم المصطلح على صعيد المنطق الصوري إلى تنظير من الدرجة الثالثة، إذ يغدو بحثا باللغة في لغة البحث في اللغة، وعلم المصطلح موكل إليه اليوم أن يساعد علم الدلالة على فحص إشكالات المعنى عسى أن يجيب عن سلسلة المساءلات المعرفية المتجددة.

الأسماء ومسمياتها
كيف تدل اللغة بألفاظها على ما تدل عليه؟ وهل هناك نواميس تطّرد في ارتباط الأسماء بمسمياتها؟ ثم ما مدى تصرف الإنسان مستعمل اللغة في توجيه الروابط الدلالية بين الدوال والمدلولات؟

بل كيف تتحرك اللغة ذاتيا، فتسد بألفاظها ما قد يحدث من شغور في كيانها المعنوي بموجب بروز متصورات لا تملك اللغة في البدء ما تدل به عليها؟

إذا تأسست قواعد المنهج النظري، تسنى البحث في مظاهر ازدواج الطاقة التعبيرية بين قدرة تصريحية وأخرى إيحائية، ثم بين دلالة ذاتية موضوعية ودلالة محمولة، وكذلك بين الإفادة بالوضع الأول والإفادة بالوضع الثاني عبر النقل والمجاز، وكله ييسر ظهور الفيصل بين المعاني، وظلال المعاني.

إذن يقوم الموضوع على أُسس ثلاثة هي: صناعة المصطلح، والأثر الفكري، ومقدار شيوع المصطلح.

من المعلوم أن هذا الموضوع يدخل ضمن اللسانيات الاجتماعية التي تعد مجالا مهما جدا لما تمتاز به من ربط بين الواقع المستعمل والتنظير العلمي، فنحن ندرس لغة حية يمكن أن نشخص فيها ظواهر استعمالها وتأثيرها على المتلقي، كما له علاقة وطيدة بنظريات لسانية متعددة، ومن أهمها النظرية التداولية، ونظرية الحقول الدلالية.

ولا يخفى أن الإعلام العربي أعطى أولوية لأثر المصطلح السياسي في الشارع ومقدار تفاعل الفكر، بل مقدار تفاعل القرار السياسي معه.

وإذا كان التطور اللغوي يحدث في كل قطاعات اللغة، ومنها لغة الإعلام، فإنه يكون أظهر وأسرع في قطاعات دون غيرها.

وإذا كان للعلماء اتفاق على استقرار النظام الصوتي والصرفي للغة، فإن معاني المفردات والمصطلحات لا تكاد تستقر على حال لأنها تتبع الظروف والأحوال والمتغيرات التي تطرأ على الفرد والمجتمع

وإذا كان للعلماء اتفاق على استقرار النظام الصوتي والصرفي للغة، فإن معاني المفردات والمصطلحات لا تكاد تستقر على حال لأنها تتبع الظروف والأحوال والمتغيرات التي تطرأ على الفرد والمجتمع. وعلى هذا، فإن التطور الحاصل في الدلالة والمفهوم هو الأسرع والأبرز وفقا للمتغيرات الاجتماعية المختلفة.

ومن هنا، وجب علينا أن ندرك حقيقة مهمة هي أن مصطلحات الإعلام بشكل عام، والسياسية منها بشكل خاص ليست دائما بريئة، بل إن بعضا من هذه المصطلحات يكاد يُخالف المفهوم الذي أُعطي لأجله، كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري، أي يجب أنْ ندرك أن المصطلح والمفهوم الكامن وراءه ليسا دائما الشيء نفسه، ولذا يجب ألا نقنع بالمصطلح المُعطى، بل يجب أن نلجأ إلى سبل كثيرة للوصول إلى المفهوم الصحيح.

وهذه العملية تختلف من مصطلح لآخر، فهناك مصطلحات مُبهمة وأُخرى جزئية، أي تَجتزِئ من الواقع ما يخدم رؤيتها، وهناك مصطلحات عبارة عن أكاذيب، وأخرى تعبر عن مخطط.

ولهذا نجد أنفسنا في كثير من الأحيان أمام مفاهيم مختلفة وربما متناقضة لمصطلح واحد.

ولكي ندخل في الجانب التطبيقي لما نقول نأخذ مثلا مصطلح الإرهاب، فكلمة "إرهاب" تشتق من الفعل المزيد (أرهب)، ويقال: أرهب فلانا، أي: خوّفه وأفزعه، وهو المعنى نفسه الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهبَ).

المصطلح والمعنى
أما الفعل المجرد من المادة نفسها (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَة ورَهْبا ورَهَبا فيعني: خاف، فيقال: رَهِبَ الشيء رهبا، ورهبة، أي: خافه، والرهبة: الخوف، والفزع.

والفعل المزيد بـ"التاء"، وهو (تَرَهّبَ)، فيعني: انقطع للعبادة في صومعته، ويشتق منه الراهب، والراهبة، والرهبنة، والرهبانية... إلخ.

وكذلك يستعمل الفعل (ترَهّبَ) بمعنى: توعد، إذا كان متعديا فيقال: ترهب فلانا، أي: توعده، وأرهَبَه، ورهبَه، واستَرْهَبَه: أخافَه، وفزعه، وتَرَهّب الرجل: إذا صار راهبا يخشى الله، والراهب: المُتَعَبد في الصومعة.

ولو جئنا إلى المعجمات الحديثة لوجدنا فضلا عما تقدم أنه في مادة (ر. هـ. ب) هناك (الإرهابي)، وهو الذي يلجأ إلى ممارسة القتل، أو التخريب، أو إلقاء القنابل، والمتفجرات في أماكن عامة، أو خاصة.

و"الإرهاب" هو رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل، وإلقاء المتفجرات، أو التخريب، والحكم الإرهابي هو نوع من الحكم الاستبدادي يقوم على سياسة الشعب بالشدة والعنف، بغية القضاء على النزعات، والحركات التحررية، والاستقلالية.

مما تقدم، يتبين أن "الإرهاب" مظهر من مظاهر العنف، وهو ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمع، فهي قديمة بقِدم وجود الإنسان، ولكن هل يحمل هذا المصطلح اليوم هذه المعاني وهذا المفهوم؟ وهل يُطلق بتجرد وبراءة؟ أم أن المفهوم الكامن وراءه يتعدى هذا التجرد ليعبر عن فكرة أو مضمون يريد بعضهم أن يوصله ويرسخه في أذهان الجميع، في سبيل تحقيق غايات، أو تقرير حاجات؟

وبغض النظر عن تعريفات الإرهاب، يحمل هذا المصطلح دلالات متعددة ومفاهيم كبيرة تتجاوز تعريف المعجم.

"الإرهاب" مظهر من مظاهر العنف، وهو ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمع، فهي قديمة بقِدم وجود الإنسان، ولكن هل يحمل هذا المصطلح اليوم هذه المعاني وهذا المفهوم؟ وهل يُطلق بتجرد وبراءة؟

لقد طلع علينا من يقرِن مصطلح الإرهاب بالهدف السياسي الملازم له، الأمر الذي يجعل من النيات والغايات غير المدركة مدار القصد والمفهوم.

ولننظر في هذا النص الذي ورد في أحد تقارير الأمم المتحدة الصادر بتاريخ 20/3/2003، فقال برندرغاست "على الرغم من الأهداف الأساسية التي وضعتها خارطة الطريق إلا أنها لم تطبق إلى الآن، ولا يزال الإرهاب يهدد إسرائيل كما أن العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين وبناء الجدار العازل يزيد من معاناة الشعب الفلسطيني".

وعند تحليل الخطاب، نجد أن ما يقوم به الفلسطينيون عمل إرهابي، لكن ما تقوم به إسرائيل عمليات عسكرية، وهنا نجد كيف تلاعبت لغة التقرير بالمصطلح الذي تريده؛ فالفلسطينيون يدافعون عن أنفسهم وأرضهم المغتصبة، وهذا على رأيهم إرهاب، في حين ما يفعله الإسرائيليون من اعتداء وإجرام، يسمى عمليات عسكرية، والحقيقة على العكس تماما، ولكن انظر إلى أثر المصطلحين في تشويه الصورة الحقيقية.

إن اللغة تشكل ظاهرة اجتماعية، فقد تختلف اللغات في كثير من الصفات والخصائص، وتختلف المفردات والدلالات، وحتى المقدرة اللغوية، لكنها تأتلف في ظواهرها الاجتماعية، ولكن هذا الائتلاف يبدو في بعض مظاهره عبئا على ابن اللغة، لا سيما في ما وجدناه من ظلال المعاني، وأثرها في انحراف دلالة المصطلح عن واقعه الحقيقي.

فأصبح المصطلح في عالم الإعلام والسياسة لا يدل بالضرورة على معناه الحقيقي، بل ربما يكون ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب.

_______________

*صحفي وباحث

المصدر : الجزيرة