المقيد.. فنان فلسطيني تحدى الإعاقة ويطمح للعالمية

المقيد يقف أمام إحدى لوحاته (الجزيرة)
المقيد يقف أمام إحدى لوحاته (الجزيرة)

 أحمد عبد العال-غزة

لم يمنع فقدان الشاب الفلسطيني محمود المقيد بصره بشكل شبه كامل، ريشته من مزج الألوان الزاهية ورسم لوحات فنية حاول من خلالها الخروج من عتمة إعاقته إلى نور الحياة، وتحقيق حلم راوده منذ زمن بأن يصبح رساما مبدعا.

ويحاول المقيد -الذي لم يكمل منتصف العقد الثالث من عمره- التعبير عن مشاعره وأفكاره وأحلامه ومخاطبة الآخرين، بالرسم والتلوين.

فهو -إضافة لفقدانه البصر كليا في إحدى عينيه وبشكل شبه كامل في الأخرى- ولد بإعاقة سمعية وضعف عقلي، كما أنه لا يستطيع التكلم، مما جعل حياته تحفل بمزيج معاناة كادت تعيق أحلامه، لولا طموحه وإرادته وتشجيع أفراد أسرته. 

المقيد يشرح لوحة لسيدة فلسطينية تلبس زيا تراثيا فلسطينيا (الجزيرة)

رعاية أسرية
حكاية الشاب الفلسطيني بدأت منذ كان في الخامسة من عمره، عندما بدأ رسم شخصيات يشاهدها في شاشة التلفزيون وتعجبه، لتظهر موهبته حينها ويلقى تشجيعا كبيرا من أسرته التي وفرت له كل ما تستطيع لتنمية موهبته.

ولم تكن هذه الموهبة حدثا عابرا في حياة "المقيد"،  فكما يقول لمراسل الجزيرة نت بلغة الإشارة، إنها غيرت مسارها المزدحم بالمعاناة والألم كليا، وبات يقضي معظم ساعات يومه يرسم لوحاته في غرفة تتبعثر فيها الأوراق البيضاء وعلب الألوان وقطع الفحم الأسود وأقلام الرصاص.

ومع مرور الأيام والأعوام تطورت موهبة المعاق الفلسطيني سريعا ليتعلم أنواعا مختلفة من فنون الرسم، فبات يستخدم أقلام الرصاص وقطع الفحم والألوان المائية والزيتية في لوحاته التي حولها للغة تجسد ما يجول في داخله.

ولا يكتفي الرسام الأصم بالتعبير في لوحاته عن عشقه للطبيعة الخضراء وإعجابه بشخصيات معينة، فهو يحاول أيضا نقل معاناة شعبه وأحلامه، إذ تتضمن إحدى لوحاته ملثما عاري الصدر متوشحا بالكوفية الفلسطينية يحاول تحطيم قيد إحدى يديه ويرفع بالأخرى شارة النصر، وفي خلفية اللوحة صورة لقبة الصخرة وطيور صغيرة ملونة، ولم ينسَ في لوحة أخرى التعبير عن معاناته بوضع صورة عين، في إشارة إلى عينه التي فقدها في صغره.

ويحاول المقيد من خلال لوحاته -كما يقول للجزيرة نت- إظهار معاناة شعبه الذي يقيده الاحتلال الإسرائيلي، وأحلام الفلسطينيين بالحرية والانتصار وتحرير مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه.

وفي لوحة أخرى، رسم الفنان نساء ورجالا تتزين وجوههم بأعلام فلسطين ويرتدون ملابس تقليدية مزركشة ويعزف بعضهم على آلات موسيقية شعبية، في أجواء تعكس طقوس الأعراس الفلسطينية الشعبية.

ولإيصال الرسائل ولمسات الإبداع الكامنة في لوحات الشاب الغزي، شارك مؤخرا في مسابقتين قطرية وفلسطينية للرسم والإبداع، ونظم العديد من المعارض من بينها معرض لذوي الاحتياجات الخاصة بتركيا.

وكان من المفترض أن يقام له معرض في روسيا قبل مدة قصيرة، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إلى هناك بسبب معيقات السفر من قطاع غزة، وظروف إغلاق السلطات المصرية معبر رفح البري بشكل شبه دائم.

المقيد يشرح بلغة الإشارة إحدى لوحاته (الجزيرة)

صعوبات
ورغم عدم اعتراض الإعاقات الثلاث لتنمية المقيد موهبته، فإنه يواجه صعوبات كثيرة تصيبه بنوع من الإحباط في بعض الأحيان، فهو -كما يقول- لا يجد من يروّج للوحاته أو ينشرها محليا أو دوليا، كما أنه لا يحقق أي عائد مادي مما يعيق شراءه المواد الأساسية التي يحتاجها للرسم كالألوان واللوحات.

وتحاول أسرة الشاب الفلسطيني توفير مواد الرسم لنجلها، إلا أن ظروفها الاقتصادية الصعبة تصعب من هذه المهمة.

ومهما عظمت هذه الصعوبات فإنها لن تنهي حلم "المقيد" بإيصال لوحاته إلى أنحاء العالم، وسعيا لذلك أقامت وزارة الثقافة وبلدية غزة في 14 مارس/آذار الجاري معرضا لرسوماته في قرية "الفنون والحرف" بمدينة غزة، حمل اسم "صرخة إبداع".

وتوزعت في أركان المعرض -الذي استمر يومين وزاره العشرات من الفلسطينيين والمهتمين- عشرون لوحة رسمها الفنان المقيد بين عامي 2016 و2018، تروي كل واحدة منها حكاية وطنية أو مجتمعية.

المصدر : الجزيرة