أزمة الإسلام بين السلطة والجماعات في إصدار جديد

لطفي حجي يقدم كتابه بمقر نقابة الصحفيين التونسيين في العاصمة تونس (الجزيرة)
لطفي حجي يقدم كتابه بمقر نقابة الصحفيين التونسيين في العاصمة تونس (الجزيرة)
خميس بن بريك-تونس

يطرح الصحفي والكاتب التونسي لطفي حجي في كتابه الجديد "إسلام السلطة وإسلام الجماعة.. محنة أمة" ملفات الإسلام على طاولة النقاش، ملقيا بحجره في برك الأفكار الراكدة لإعادة التفكير مجددا في مختلف القضايا بعيدا عن الاحتكار أو الاستفزاز والمزايدة.

الكتاب الصادر عن الدار المتوسطية للنشر جاء في 404 صفحات متوزعة على ستة أبواب، حاول من خلالها مؤلف الكتاب السابق "بورقيبة والإسلام.. الزعامة والإمامة" أن يوضح أن الإسلام واحد والقراءات متعددة، مراهنا على فتح حوار مجتمعي متعقل حول الإسلام.

ودوافع إثارته تلك المقاربة انطلقت من استنتاجه أن المواضيع حول الإسلام لم تناقش بطريقة عقلانية تسمح بتعايش التأويلات دون احتكار فهم الدين أو ملكية تأويله، وإنما طرحت إلى النقاش من زوايا الاستفزاز والسخرية والمزايدات الأيديولوجية الهدامة.

ففي حين حُصرت نقاشات قضايا الإسلام عقب الثورة في جماعات تكفيرية حاولت تغيير نمط المجتمع أو اقتصرت على جرائم الإرهاب، يقول إن "بعض النقاشات وضعت حركة النهضة في سلة واحدة مع كل الحركات الإسلامية لتوريط هذا الحزب رغم مراجعاته وتطوره".

ويعدد الكاتب حالات أخطاء فهم الإسلام، فيقول إن المنتمين للجماعات التكفيرية ما كانوا ليختاروا طريق التشدد لو قرؤوا بتمعن تاريخ الفكر الإسلامي التونسي واستدلال علمائه بالقرآن والسنة ليثبتوا أن التكفير كما ينتهجونه باطل.

مأزق الفهم
هذا التعطيل التاريخي في حسم الخلافات حول الإسلام جعل حجي -أحد مؤسسي هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات بتونس عام 2005 المجمعة للإسلاميين واليساريين ضد دولة الاستبداد قبل الثورة- يفكك عبر مختلف مضامين الكتاب أسباب مأزق فهم الإسلام بديار الإسلام.

يقول حجي في كتابه إن "تجاذب الإسلام والسعي لاحتكاره وفق قراءات أحادية مغلقة تتكرر منذ قرون ولم تجن الأمة سوى خسارة الأرواح والتراجع الفكري والسياسي"، وعلاج ذلك لا يتم بالمزايدات التي تجعل النخب تتحصن بمواقعها دون تغير أو تطور، كما يرى.

لطفي حجي راهن في كتابه على فتح حوار مجتمعي متعقل حول الإسلام (الجزيرة)

وليس بغريب أن يوجه حجي إصبعه نحو الداء، فقد دأب منذ الثمانينيات على كتابة مقالات الرأي والدراسات حول تجديد الفكر الإسلامي المواكب للعصر وحسن إدارة النقاشات المختلفة بشأن قضاياه لضمان فضاء عيش مشترك دون تكفير باسم الدين أو الحداثة.

والمطلع على كتابه يجد بين يديه آلة زمن تعيد عقارب الساعة للوراء لتبحث في مظاهر الاختلافات حول رؤى الجماعات للإسلام وصراع النمط المجتمعي بين الحركات والسلطة، وأثر تجفيف المنابع وتأثير تنظيم القاعدة في عقول الشباب وبروز التكفير والتسفير.

ومن هنا جاءت دعوته جميع الأطراف، سلطةً ومجتمعا، للقيام بمراجعات جذرية تجعل الإسلام عنصرا أساسيا في تطوير المجتمعات، وهذا يتطلب إعادة بناء الوعي الجماعي دون مسلمات أيديولوجية، وهي محاولة جماعية تتطلب الكثير من الوقت والتنازلات، وفق رأيه.

دليل الأبواب
وخصص الكاتب الباب الأول من كتابه وعنوانه "الإسلام الواحد والأفهام المتعددة" ليشدد على أن فهم الإسلام ليس جامدا وإنما متحولا متأثرا بالتغير التاريخي. ويقول حجي "إذا كان الخطاب النظري الإسلامي هو خطاب توحيدي فإن الواقع يبرز التعدد والاختلاف".

في الباب الثاني وعنوانه "بين الديمقراطية والشورى.. حسن الإمارة وسوء التدبير"، يشرح حجي أسباب عجز التجارب السياسية العربية عن تحقيق الديمقراطية والمواطنة على أرض الواقع بسبب عدم الاستفادة من دروس الماضي وغياب التخطيط للخروج من الأزمات.

ثم يغوص الكاتب في الباب الثالث وعنوانه "الإسلام السياسي زمن المراجعات والثورة" في أعماق التطورات السياسية التاريخية لحركة النهضة ومراجعاتها الأخيرة بقطعها مع الإسلام السياسي وتمسكها بالدفاع عن الحقوق الكونية والمساواة وقيم النظام الجمهوري.

ويعد الباب الرابع بعنوان "تكفيريون خارج التاريخ" أحد أبرز فصول هذا الكتاب، حيث يتطرق إلى بروز الظاهرة السلفية وخطابات تنظيم القاعدة للتونسيين بعد الثورة والتضخيم الإعلامي الغربي والمعارك الخطيرة داخل المساجد بين التكفيريين والسلطة.

في الباب الخامس بعنوان "تيه مسلم/النص، العقل، التأويل، الواقع"، يكشف لطفي حجي عن حالة التخلف التي اغتالت العقل ووضعت الإسلام في مأزق بسبب غلق باب الاجتهاد واعتماد النقل بدل العقل، والتناقضات بين القبول بقيم الحرية والإسلاموفوبيا وغيرها.

ويختم الكاتب بالباب السادس "إرادة التجديد.. العقل الإسلامي وإرث الانحطاط" مستعرضا رؤى جديدة للمسلم المعاصر المستلهم من تراثه والمجدد لتصوراته، ومتحدثا عن أزمة الفكر العربي الذي ورث خاصياته من الماضي وبقي محافظا عليها دون أن يعيدها.

المصدر : الجزيرة