ناشرون ومؤلفون.. "تجارة المسكين" في سوق الأوهام

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

ناشرون ومؤلفون.. "تجارة المسكين" في سوق الأوهام

المحفوظ فضيلي

يستشهد ناشر مغربي شاب بوالده الراحل بالقول إن "الكتاب تجارة المسكين"، في إشارة لهشاشة المنتج الثقافي في بيئة تتسم فيها العلاقات بين الكتاب والناشرين بالكثير من سوء الفهم وسوء الظن في ظل غياب قوانين واضحة وهيئات قائمة تضبط العلاقات بين الطرفين وتحسم أي خلافات محتملة بينهما.

ويكاد الطرفان أن يجمعا على أن العلاقات بينهما لا تتسم بالتكافؤ، ويبرر كل طرف ذلك الوضع بحججه الخاصة، لكن عادة ما يعلو صوت الكتّاب في الفضاء العام حيث لا يضيعون أي فرصة للبوح بما يجيش في صدورهم من مآخذ على الناشرين ويكيلون لهم شتى صنوف الاتهامات.

لكن تلك الاتهامات والانتقادات تتباين من كاتب لآخر، وفي حمأة تلك المؤاخذات ينذر أن تجد من الكتاب من يقبل ممارسة النقد الذاتي بشكل موضوعي، ومن الناشرين من يقر دون مواربة بأن هاجسه الوحيد هو الربح المادي.

وغالبا ما يقر الجانبان بأن التعامل بينهما يتم بناء على عقود، لكن السؤال الذي يطرح يتصل بمدى الالتزام بها، ويصل التوتر بينهما لدرجة أن الكاتب لا يثق فيما يمضيه من عقود.

ويقول الكاتب التونسي كمال الرياحي إن عقود بعض دور النشر العربية والتونسية "غير موثوق فيها"، وهو ما يعكس في نظره الأزمة الكبيرة التي يعيشها النشر العربي خاصة في مستوى العقود.

سوق الكتاب بالعالم العربي تتسم بالهشاشة ومعدل النسخ المطبوعة من الكتاب الواحد يتراوح عادة بين 1000 و5000 نسخة (الجزيرة)

حيف الناشرين
ويشكو كتاب كثيرون من "حيف" الناشرين كما هي حال الروائي السوري هيثم حسين الذي تعامل مع ناشرين "يسطون على حقوق الكاتب وكتابه، ويشكون ويبكون دائما من قلّة حركة البيع والشراء، أو انعدامها، ودائما يتذمّرون ويستاؤون، ويُشعرون الكاتب بأنّهم تكرّموا عليه بنشرهم لبضاعة لا يقبل أحد على شرائها".

وفي السياق يبدو الكاتب السوري المقيم بألمانيا أحمد عمر أكثر قسوة في توصيفه للناشرين، وانطلاقا من تجاربه المريرة في مجال النشر والتأليف والتوزيع في بلاده يخلص إلى القول إن الناشر هناك "ليس صاحب رسالة، إنه صاحب بقالة".

وفي صفوف الناشرين غالبا ما تتسم النبرة بالهدوء والاستناد إلى العموميات عن شروط التعاقد وأحكام وإكراهات السوق وتدني الاهتمام بالشأن الثقافي. لكن الناشر السوري مروان عدوان، مدير دار ممدوح عدوان، يقر بأن العلاقة ليست دومًا متكافئة بشكل عام بين المؤلف والناشر، الطرف صاحب الاسم الأقوى يحاول وضع شروطه التي قد تكون مجحفة في حق الطرف الثاني.

وفي المنحى ذاته يقر مدير المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء) بسام الكردي بانعدام التكافؤ، ويقول إنه في جميع عقود الدنيا هناك تفاوت حسب سمعة المؤلفين ووزنهم في السوق الثقافية، مع التذكير بأن سوق الكتاب في العالم العربي أصلا ضعيفة وأحسن الكتب نطبع منها ألفا إلى 1500 نسخة.

وفي جميع الأحوال لا يمكن القول إن دور النشر تتعامل بالمنطق نفسه مع جميع الكتّاب، ففي بعض الحالات لا تتورع بعض دور النشر عن أن تطلب من الكاتب أموالا مقابل نشره ما ألفه، بينما تدفع بعض دور النشر للكاتب جزءا من مستحقاته قبل الطبع والتوزيع، في حين تقدم دور نشر أخرى على النشر والتوزيع ولا تعطي شيئا للكاتب، ضاربة عرض الحائط بالتزامها تجاه المؤلف.

ويخلص الكاتب رياحي وهو مدير "بيت الرواية"، إلى أن دور النشر عامة تتعامل مع الأسماء ولا تتعامل مع النصوص، تتعاقد مع الكاتب ولا تتعاقد وفق أهمية المخطوط لأنه ليس هناك تقاليد جدية واحترافية لدى دور النشر العربية عامة، إلا ما ندر من دور النشر العريقة جدا أو دور النشر التي تخضع للقوانين الأجنبية.

الروائي التونسي شكري المبخوت: عدد قليل جدا من الكتاب في الغرب يعيشون على مداخيل الكتب (الجزيرة)

أوهام الكتاب
وبنبرة نقد ذاتي، يفسر الروائي التونسي شكري المبخوت انعدام التكافؤ بين الناشر والكاتب في الجانب المادي، بكون الكاتب يعتقد أن الناشر يربح الكثير من الأموال بسبب ما كتبه، في حين أن ما يكتبه الكاتب (المخطوط) لا يمثل سوى بداية الكتاب.

ودعا المبخوت، الفائز بجائز البوكر للرواية العربية عام 2015، الكتاب للتخلي عن وهم أن الناشرين هو الرابحون الوحيدون من الكتاب، فهذا الربح الكبير للناشر لا يحصل إلا في حالات نادرة حيث يحقق الكتاب شهرة واسعة وتتم ترجمته ويجد عددا كبيرا من القُرّاء.

ويضع المبخوت الأصبع على وهم آخر وهو أن الكاتب العربي والتونسي خاصة يعتقد أن الكتاب في الغرب يعيشون من مداخيل كتبهم، وهذا غير صحيح لأن عددا قليلا جدا من الكتاب في الغرب يعيشون على مداخيل مؤلفاتهم، وهؤلاء هم الذين يحالفهم الحظ وتباع كتبهم بأعداد كبيرة، أو الذين يحصلون على جوائز.

وبغض النظر عما يساور الكتاب من أوهام وما يحرك الناشرين من هواجس، وما يسم علاقات الطرفين من قلق وتوتر، فإن الجميع وخاصة القارئ يظل دائم التطلع لمنتج مكتوب يستوفي معايير الجودة شكلا ومضمونا.

لكن ذلك يبقى حلما بعيدا في ظل ما يعتري صناعة النشر والكتاب في العالم العربي من هشاشة وضعف وما تواجهه من صعوبات ومشاكل عديدة تحدّ من تطورها ونموها.

وتشير بعض الأرقام إلى أن حجم المعاملات في مجال النشر العربي لا يبلغ 10 ملايين دولار، في حين يتراوح معدل عدد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي الواحد بين 1000 و5000 نسخة، وهي أرقام ضئيلة إذا قورنت بسوق النشر في الولايات المتحدة وأوروبا التي باتت صناعة قائمة بذاتها ويقدر حجم المعاملات فيها بمليارات الدولارات.

المصدر : الجزيرة