سامح درويش: الهايكو أن تكتب كطفل لكن بخبرة شيخ

سامح درويش: كنت أبحث باستمرار عن أدوات جمالية تجعلني أقدم إضافة ما إلى المشهد الشعري المغربي والعربي (الجزيرة)
سامح درويش: كنت أبحث باستمرار عن أدوات جمالية تجعلني أقدم إضافة ما إلى المشهد الشعري المغربي والعربي (الجزيرة)

حاوره عبد المجيد أمياي-وجدة

يخوض الشاعر المغربي سامح درويش منذ سنوات تجربة شعرية مختلفة عن التجارب المألوفة في المشهد الشعري العربي، حيث اختار كتابة قصيدة الهايكو، ذات المنشأ الياباني.

وعن تجربته الإبداعية خاصة، وتجربة الهايكو في المغرب والمنطقة العربية عامة، يتحدث درويش في هذه المقابلة التي أجراها معه موقع الجزيرة نت:

كيف وجدت نفسك في لجة قصيدة الهايكو وأنت تبحث عن صيغة أخرى للكتابة بمقومات تختلف عن السائد؟

كنت أبحث باستمرار عن أدوات جمالية تجعلني أقدم إضافة ما إلى المشهد الشعري المغربي والعربي انطلاقا من اللغة التي أكتب بها.

كانت حصيلة هذا التفكير ديواني "القهقهات" الذي طبع سنة 2010 بدعم من وزارة الثقافة، وهو يمثل تجربتي منذ سنوات التسعينيات إلى بداية الألفية الثانية، وملت في هذه التجربة إلى كتابة نصوص شعرية قصيرة ومكثفة، ووجدت نفسي في هذه التجربة أقترب من قصيدة الهايكو ذات المنشأ الياباني.

هذا يعني أنك بدأت خوض تجربة كتابة قصيدة الهايكو حتى قبل الاطلاع على خصاص هذه المدرسة؟

كان هناك اطلاع نسبي، لكنه لم يرق إلى مستوى الاهتمام والبحث، ولكن عندما وجدت أن بعض النصوص تتخذ هذا الشكل الشعري، عمقت معرفتي بالهايكو وقرأت كل ما ترجم إلى العربية، وحتى إلى بعض اللغات من فرنسية وإنجليزية، وبدأت أهتم بكل ما يكتب عن هذه التجربة وأستطيع أن أقول إنني كنت في مخاض الهايكو من حيث لا أدري.

وعندما اكتسبت الوعي بهذه التجربة وبخصوصياتها، وبالأخص قواعد قصيدة الهايكو الجمالية، قلت إن ذلك سيشكل نوعا من الإضافة إلى الشعر العربي، بل ومناسبة لطرح أسئلة عميقة على الشعر العربي وقضاياه بشكل عام.

 بعد الاطلاع الذي تحدثت عنه، هل حاولت في نصوصك الجديدة أن تكون منضبطا بخصائص هذه المدرسة؟

طبعا لا يمكن أن نطلق على قصيدة أنها "هايكو" إلا إذا توفرت فيها شروط وقواعد كتابة الهايكو، لأن كتابة الهايكو العربي من المهام الصعبة، باعتبار أن الشعر العربي مجاز وبلاغة وبيان بامتياز، وقيل قديما إن الشعر ديوان العرب.

وتأسيسا على ما سبق، فليس من السهل إقناع القارئ العربي بشكل شعري آخر، يرتكز على خصائص جمالية بعيدة عن المجاز والبلاغة وأنا الشاعر.

لذلك رهاني ورهان كل من يكتب الهايكو أن يكتبه بقواعده الكلاسيكية أولا، ثم ثانيا إقناع المتلقي بجماليات أخرى باستعمال لغة مباشرة، وباختصار يمكن القول إن الهايكو مشهد ملتقط من الواقع بنوع من الواقعية وبشروط جمالية أخرى.

تقول إن لغة الهايكو لغة مباشرة، لكن هناك نفحة فلسفية إن صح التعبير في قصائدك، أليس هذا تناقضا وتعارضا مع ما تقول؟

الهايكو أن تكتب كطفل ولكن بخبرة شيخ، الموقف يلتقط من الواقع، من المعيش والحياة، و لا يلتقط بشكل فوتوغرافي، كما تفعل الصورة،

إن كان الهايكو يستفيد من التقنيات الإلكترونية الحديثة من صورة وغيرها، فهذه الاستفادة تتحول إلى لغة بسيطة وعميقة، وكثير من الناس يستسهلون ذلك، لكن بقدر ما يتعمق الإنسان بقدر ما يكتشف أن الهايكو من أصعب أنواع الشعر.

هل الخصائص المغايرة لخصائص الشعر العربي، التي تحدثت عنها، هو ما يجعل الشعراء العرب يتفادون خوض تجربة كتابة الهايكو؟

دعني أقول لك أولا إن المثاقفة العربية اليابانية بدأت منذ أكثر من قرن، وبالتحديد منذ مطلع القرن العشرين، واقترب من الثقافة وشعر الهايكو بعض الكتاب والشعراء، من بينهم المغربي عبد الكبير الخطيبي، الذي كتب نصوصا في مدار الهايكو، بل هناك شعراء كثر كتبوا الهايكو، لكن ليس بالخضوع لقواعده بشكل تام، وكذلك كتبوه باحتشام، وأذكر هنا أيضا أحمد بنيس.

سامح درويش يرى أن الكاتب المغربي الراحل عبد الكبير خطيبي (الصورة) من أوائل من كتبوا في مدار الهايكو (الجزيرة)

كما أن احتكاك الثقافتين اليابانية والعربية جعل الهايكو معبرا للتلاقح، لذلك يمكن أن نعتبر الهايكو العربي تنويعا للمشهد الشعري العربي، وليس بديلا لأي شعر آخر.

ودعني أقول أيضا إن موجة كتابة الهايكو تنامت بشكل كبير بعد الإحباطات العربية، خاصة بعد ثورات ما يسمى الربيع العربي، يقودها شعراء شباب خاصة.

وبرزت هذه الموجة أيضا في سياق البحث عن بدائل ليست سياسية فقط، وإنما أيضا فنية وجمالية منفتحة على مدارات إبداعية أخرى، على اعتبار أننا كدول عربية قضينا قرونا رهائن للثقافة الغربية، وبالتالي حان الوقت للاستفادة من مدارات ثقافية أخرى، وهي تنتمي بالمناسبة إلى فلسفتنا الشرقية.

وفي الإطار نفسه، لا يمكن القول إن هناك عددا محدودا من الشعراء الذين يتعاطون الهايكو، بل على العكس من ذلك هناك الآلاف من الأصوات الشعرية الشابة، وفي المغرب -مثلا- أستطيع القول إن هناك العشرات من الأصوات، وبدأت تظهر دواوين ورقية، وعدد كبير من الصفحات الإلكترونية المهتمة في جميع الدول، بل هناك شعراء من أصول عربية يكتبون الهايكو أيضا بلغات أخرى، وأصبح الهايكو الياباني نفسه يستفيد من تجارب اللغات الأخرى.

هل نحن إذن أمام تأسيس مدرسة عربية للهايكو؟ هذا طبعا إذا سلمنا بأن الهايكو الياباني اليوم يستفيد من لغات أخرى؟

نعم، الهايكو يتفاعل بلغات أخرى، وفي اليابان في تطور مستمر، إذ ارتبط في البداية بالطبيعة وعلاقات الإنسان بالطبيعة، وبعد ذلك أخذ يهتم بالمواقف الاجتماعية وغيرها من القضايا، وهو الآن يخوض في كل ما يحيط بالإنسان.

نختم بالحديث عن مشاريعك المستقبلية وجديدك؟

قبل ذلك، أود أن أشير إلى أن التجربة المغربية متقدمة في المشهد العربي، ونحن على تواصل دائم مع الأصدقاء الشعراء في عدد من الدول العربية لإغناء التجربة في المنطقة، كما خصصنا نسخة 2016 للموكب الأدبي الذي ينظم بوجدة (شرقي المغرب) للتعريف بالهايكو، وطبعنا عشرة كتب محورها الهايكو، وأصبح للهايكو العربي اليوم موقع في المشهد العالمي، حيث أصبحنا نشارك في العديد من الملتقيات العالمية.

بالنسبة لجديدي، فبعد إصدار ديواني "خنافيس مضيئة"، الذي جمع تجربتي في هذا النوع من الشعر، وبعده ديوان "100 هاكو"، والديوان المشترك "100 هايكو وهايكو"، الذي ترجم إلى اليابانية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، أستعد لإصدار ديوانين: الأول بعنوان "عصافير تحلق في الأعماق"، والثاني عنوانه "ما أكثرني مع قطرات الندى" مطلع السنة المقبلة.

المصدر : الجزيرة