العربي الكويتية.. 60 عاما من تثقيف العرب

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

العربي الكويتية.. 60 عاما من تثقيف العرب

نادية الدباس-الكويت

لطالما استهوت مجلة "العربي" الكويتية الشاب الزواوي بغورة إبان دراسته في ثانوية الشهيد سعيد زروقي في الجزائر وتحديدا في عام 1987 الذي شهد مولد علاقته بالمجلة.

كان الزواوي يحرص على قضاء كثير من وقته في مكتبة مدرسته لقراءة المجلة التي خصصت لها المكتبة ركنا خاصا بها.

اعتاد الزواوي قراءة صفحات المجلة بنهمٍ، وكانت تجذبه تحديدا زوايا الفكر والفلسفة وكتابها أمثال زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وزكريا إبراهيم، وعندما التحق بالجامعة لدراسة الفلسفة حرص على اقتناء أعداد المجلة التي كان ينتظرها شهرا تلو شهر، ليجمعها في مكتبته الخاصة ويحتفظ بها إلى اليوم.

وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه، ساقت الأقدار الزواوي بغورة للعمل أستاذا للفلسفة المعاصرة في جامعة الكويت، فزار المجلة والتقى برئيس تحريرها السابق الدكتور سليمان العسكري، ومنذ ذلك الحين أصبح كاتبا في المجلة التي ظل قارئا لها لعقود.

الزواوي أوضح في حديثه للجزيرة نت أن أغلب مقالاته تدور حول الجانب الفكري الخاص بالجزائر، في حين أن آخر مقال له تناول تعليم الفلسفة للأطفال، مشيدا بمجلة العربي التي يقول إنها لا تنازعها أي مجلة لتنوعها الفكري والأدبي.

تحتفل المجلة هذا الشهر بعيدها الماسي، فقد بدأت مسيرتها قبل 60 عاما، وهي مسيرة طويلة لخصها للجزيرة نت رئيس تحريرها الحالي الدكتور عادل العبد الجادر، إذ عاد بالذاكرة إلى عام 1957 عندما تكونت لدى ثلة من الخريجين الكويتيين من الجامعات المصرية فكرة إنشاء مجلة تعنى بالثقافة العربية.

حمل هؤلاء الشباب فكرتهم وأفرغوا ما في جعبتهم على طاولة مدير دائرة المطبوعات والنشر آنذاك أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح، فسارع بنقلها إلى أمير الكويت في ذلك الوقت الشيخ عبد الله السالم الصباح، الذي ما لبث أن وافق عليها مباشرة وأمر بتشكيل لجنة لترجمتها على أرض الواقع.

استقطبت مجلة العربي أبرز المثقفين العرب ليكتبوا على صفحاتها (الجزيرة)

أبرز المثقفين
اختير الراحل أحمد السقاف رئيسا للجنة، وما إن تسلّم مهامه حتى بدأ رحلة البحث عن رئيس تحرير للمجلة لتقوده رحلته إلى العراق ولبنان وسوريا ومن ثم إلى مصر، وفيها التقى بأبرز مثقفيها، فكانوا جميعا يرددون على مسامعه اسم الدكتور أحمد زكي عالم الكيمياء المصري ذي الميول الأدبية والثقافية.

ولأن بيئة الكويت كانت غير جاذبة في ذلك الوقت بحرّها الشديد صيفا وبرودتها شتاء، فقد كان على السقاف أن يبذل جهدا مضاعفا لإقناع زكي بالانتقال إلى الكويت لرئاسة تحرير المجلة، وبعد مدّ وجزر اتفق الطرفان، لكن زكي اشترط أن يزور الكويت أولا للوقوف على الوضع عن كثب قبل اتخاذ قرار بقبول المهمة أو رفضها.

وبعد اجتماعه بشريحة من المثقفين الكويتيين، وافق الدكتور زكي على رئاسة تحرير المجلة، وجرى إصدار العدد الأول منها في ديسمبر/كانون الأول 1958 لتكون بمثابة "هدية الكويت لكل العرب"، وهو شعار المجلة التي ما زالت ترفعه حتى اليوم.

ولأن الدكتور زكي كانت تربطه علاقات جيدة بكثير من المثقفين في العالم العربي، فقد ازدانت صفحات المجلة بكتابات الأدباء والشعراء العرب من كل حدب وصوب، ومن بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد أبو زهرة ونزار قباني الذي نشرت له المجلة في عام 1958 قصيدته "كلمات" التي غنتها لاحقا المطربة اللبنانية ماجدة الرومي.

أحمد زكي ظل رئيسا لتحرير مجلة العربي منذ بداية صدورها وحتى منتصف سبعينات القرن الماضي (الجزيرة)

وإلى جانب تلك الباقة من المثقفين العرب، فقد كان لشيوخ الأزهر آنذاك زوايا متعددة في المجلة، لتجذب موادها المنتقاة بعناية وحرص إعجاب كل القراء العرب، وتدخل عقولهم قبل بيوتهم من أوسع الأبواب، بعد أن نجحت في طرح صيغة جديدة لمعنى المجلة الثقافية.

بعد انتهاء حقبة زكي، سار الكاتب المصري أحمد بهاء الدين على نهج سلفه عندما تسلّم رئاسة تحرير المجلة عام 1976، الذي استقطب كبار مثقفي العالم العربي وعلماءه، إلى جانب أنه استمال كثيرا من المدرسين في جامعة الكويت التي تأسست عام 1966 ليكتبوا في المجلة.

نهج قومي
ساعدت رمزية ثمن المجلة التي تموّلها وزارة الإعلام الكويتية في أن تكون في متناول المواطن العربي الغني والفقير على حد سواء، فلم يكن الربح المادي هدفا لإنشائها، وإنما نشر الثقافة والنهج القومي والفكر والأدب والفن.

ويؤكد الدكتور عادل العبد الجادر أن مجلة العربي لعبت الدور نفسه الذي لعبته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في بريطانيا، فكما جمعت الشبكة الإعلامية البريطانية الأسكتلندي والويلزي والأيرلندي والإنجليزي رغم اختلاف لهجاتهم، فإن "العربي" جمعت باللغة التي استخدمتها في جميع موضوعاتها بين البساطة والرصانة لتجذب القارئ والمتلقي، ولتشكل رمزا عربيا ثقافيا سلس الانقياد للقراء، ولتصبح بمثابة سفير للكويت إلى شتى أرجاء العالم العربي.

العبد الجادر: مجلة العربي وإصداراتها أصبحت متوفرة عبر موقع إلكتروني وتطبيقات ذكية وفي مواقع التواصل الاجتماعي (الجزيرة)

بلغت المجلة ذروتها في عام 1986 إبان تولي الأكاديمي الكويتي الدكتور محمد غانم الرميحي رئاسة تحريرها، حيث بلغ توزيعها 320 ألف نسخة، مقارنة مع نسبة توزيعها المعتادة البالغة 250 ألف نسخة في جميع أرجاء الدول العربية.

كما تولى رئاسة تحرير المجلة الأكاديمي الكويتي الدكتور سليمان إبراهيم العسكري في عام 1999 وحتى عام 2013 تاركا أيضا بصماته في تطويرها لتواصل إصدار منشورات دورية خاصة بالشباب باسم "الشباب العربي"، إلى جانب دوريات أخرى مثل "العربي العلمي" و"العربي الصغير" الموجهة للأطفال.

وحتى تظل المجلة محتفظة برشاقتها ولا تتأثر بسنواتها الستين، كان لا بد من لمسات جديدة تنعشها، وفي الوقت نفسه تواكب الحياة العصرية وتتماشى مع ميول المثقف والشاب العربي الذي انحسر إقباله على القراءة الورقية في عصر الإنترنت والتقدم التكنولوجي وانتشار اللوحات الرقمية والهواتف الذكية، فصدرت مجلة العربي الإلكترونية بالتوازي مع الورقية، كما أطلقت تطبيقات خاصة بإصداراتها، وأيضا لم تغفل إنشاء صفحات خاصة بها في مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

ومثلما حملت مجلة العربي الكويتية قضايا الأمة والهموم العربية على كاهلها منذ نشأتها، فإنها تأثرت كثيرا بما يعصف بعدد من الدول العربية من اضطرابات، وللأسف لم تعد "العربي" قادرة اليوم على الوصول إلى كل من اليمن وسوريا والعراق وليبيا، وهي محطات بارزة في مبيعاتها، مما حدا بها إلى تقليل الأعداد المطبوعة بسبب عجز الشركات الموزعة عن دخول هذه الدول، على أمل انتهاء هذه الحقبة ليعود الأمن والأمان إلى أرجاء الوطن العربي من جديد، ولتزين أعداد مجلة العربي أكشاك بيع الصحف والمطبوعات كما كانت دائما.

المصدر : الجزيرة