من الرواية إلى الدراما.. الطريق ليست دائما فضية وذهبية

المحفوظ فضيلي-الجزيرة نت

عندما أعلنت جائزا كتارا للرواية العربية في دورتها الأولى عام 2015 عن جائزة لأفضل رواية قابلة للتحويل لعمل درامي قيمتها مئتي ألف دولار أميركي، بدا وكأن صفحة جديدة تفتح في العلاقات بين الأدب والشاشة تعيد المتلقي العربي لفترة ذهبية تحولت فيها أعمال أدبية كبيرة لأفلام ومسلسلات فباتت راسخة في الذاكرة كوجهين لعملة واحدة.

وفعلا مُنحت الجائزة في تلك الدورة للروائي الجزائري واسيني الأعرج عن رواية "مملكة الفراشة" وفي الدورة الموالية كانت من نصيب الكاتب المصري ناصر عراق عن رواية "الأزبكية"، لكن تلك الجائزة اختفت في الدورتين اللاحقتين ولم تر "مملكة الفراشة" طريقها للشاشة وجرى تحويلها فقط لمسرحية، في حين لا تزال "الأزبكية" حبيسة الورق.

وفي حين لا تزال جائزة كتارا الرواية العربية تواصل رسالتها في دعم السرد العربي نشرا وترجمة ونقدا، يبقى لدوائر الإنتاج السينمائي والتلفزيوني رأي آخر في التعامل مع النصوص الروائية غالبا ما تمليه الاعتبارات المالية في زمن بات الهاجس التجاري يفرض نفسه على الكثير من مناحي الحياة الفنية، خاصة في مجال الغناء والسينما.

وإذا كانت الشاشة العربية قد استلهمت في الماضي أعمالا أدبية شهيرة لكتاب عرب وأجانب من عيار نجيب محفوظ ويحيى حقي وتوفيق الحكيم ودستويفسكي وإميلا زولا وألبير كامو، فإن حماسها نحو السرد العربي اتسم بنوع من الفتور خلال العقدين الماضيين.

ويبقى محدودا عدد الروايات التي تحولت إلى دراما حسب درجات نجاح متفاوتة. ومن أبرز الأعمال الأدبية التي عبرت من الورق إلى ومضات الشاشة رواية "ساق البامبو" للكاتب الكويتي سعود السنعوسي التي حولها الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن إلى مسلسل عرض قبل عامين في إحدى القنوات العربية.

وقبل ذلك بنحو عشر سنوات تحولت رواية "عمارة يعقوبيان" للكاتب المصري علاء الأسواني إلى فيلم سينمائي بتوقيع المخرج مروان حامد، وبمشاركة نجوم كبار من قبيل عادل إمام ونور الشريف وهند صبري وآخرين.

تجارب محدودة
وحظي الفيلم بإقبال جماهيري كبيرة رغم الجدل الذي صاحبه، كما عرض في مهرجان كان السينمائي في دورته الـ59 وحظى هناك باستحسان النقاد العرب والأجانب الذين وصفوه بأنه تحفة سينمائية.

وتتشابه تجارب ثقافية عربية كثيرة لها تقاليد راسخة نسبيا في الأدب والإنتاج الدرامي فيما يخص العلاقة المضطربة بين الأدب من جهة والسينما والتلفزيون من جهة، وانعكاساتها على استفادة المجالين من بعضهما.

ويفسر ضعف إقبال المخرجين وشركات الإنتاج في العالم العربي على الأعمال الأدبية بعوامل كثيرة يمكن تكثيفها في عنصرين بارزين، هما الهاجس التجاري لدى أهل السينما وإغراق كثير من الكتاب في حكايات مغرقة في الذاتية والشاعرية دون أن تحمل في طياتها بذور النمو خارج دائرة النص.

ويعزو المخرج التونسي حمادي عرافة توتر العلاقة بين الرواية والشاشة إلى كون بعض الروايات غير قابلة للتحويل إلى مسلسلات أو أفلام، وهو ما يدفع المخرج للبحث عن سيناريو جاهز، في حين تحتاج بعض الروايات لإعادة صياغة حتى تتحول إلى سيناريو وهذا يتطلب الكثير من الوقت والجهد.

في ظل ذلك الوضع يدعو المخرج التونسي الناصر خمير إلى تقييم موضوعي للرواية التونسية التي يرى أنها تتميز في أغلبها بالسير الذاتية العاطفية المكتوبة بلغة شاعرية تغيب عنها الصورة والحركة، وهو ما يقف عائقا أمام تحويلها إلى أعمال تلفزيونية أو سينمائية.

محمد البوعيادي: هناك علاقة ملتبسة بين الكتاب والمخرجين المغاربة (الجزيرة)

اتهامات متبادلة
في مقابل ذلك يرى الروائيون عموما أن المخرجين والمنتجين يبحثون عن سيناريوهات سهلة وجاهزة ولا يجتهدون في البحث عن روايات متميزة لها قابلية التحول إلى أعمال درامية ناجحة جماهيريا.

ويرى الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب أن هناك أزمة ثقة بين المخرجين والروائيين ودعا الطرفين إلى تجاوز هذه الأزمة والنظر إلى العمل سواء كان تلفزيا أو سينمائيا على أنه عمل إبداعي عميق في رسائله، وأن يتجاوزوا النظرة المادية السطحية التجارية.

وفي المغرب يرى الناقد محمد البوعيادي أن هناك علاقة ملتبسة بين الكتاب والمخرجين المغاربة وعلاقة اتهام متبادلة، فالمخرجون يتهمون الكتاب بأنهم لا يكتبون الأدب المغربي بلغة بصرية قابلة للتحويل إلى منتوج فيلمي، في حين يرى الكتاب المغاربة أن المخرجين لا يقرؤون ما ينتجه الأدباء.

وفي ذلك البرزخ بين الحقلين لا بد من الإشارة إلى كتاب عرب كبار حاولوا جسر الهوة بين العالمين وأقدموا على خوض غمار الكتابة مباشرة للشاشة الصغيرة والكبيرة وللمسرح ورسخوا في الذاكرة والوجدان عناوين أعمال فنية تتلاشى في رنتها ووقعها الحدود بين السينما والأدب.

المصدر : الجزيرة