في زمن الحروب.. الأوبرا السلطانية تعزف أغنيات الحب والسلام

في زمن الحروب.. الأوبرا السلطانية تعزف أغنيات الحب والسلام

الأوبرا السلطانية في مسقط (مواقع التواصل)
الأوبرا السلطانية في مسقط (مواقع التواصل)

أحمد بن سيف الهنائي-مسقط

منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2011 و"الأوبرا السلطانية" في مسقط تستقطب أفواج الباحثين عن النغم العذب وصوت الخيال الممتزج بقدرات الإنسان ولسان الآلات الموسيقية, وظلت تقدم نفسها كواجهة حضارية، رغم ما تشهده المنطقة من صراعات.

لا تلتفت الأوبرا السلطانية إلا لنداء الجمال الإنساني في تحفيز طاقاته الوادعة للسكينة، وكأن العالم كله يقف خلف عتبة باب الدار، وهي ترحب بالوافد إليها، طالبةً منه أن يطرح كل ما يتعلق بماديات الحياة على قارعة الطريق، ليدخل إلى العالم الحقيقي كي تخبره أن لا شيء يعلو على دهشة الفن.

ولأنها حاضنةٌ ثقافية، فقد حرصت أن تكون مسرحاً يحاكي أعجوبة العمارة العمانية بما تمتلك من إرث حضاري ضارب في عمق التاريخ. وفي العديد من أفيائها تجسدت ملامح الهندسة الإسلامية، كما أنها عمدت في الزخرفة إلى المزج بين مختلف الثقافات المتصلة بتاريخ عُمان منذ الأزل، تتاخمها "حدائق من الطراز الأندلسي والإسلامي والأوروبي".

مدخل الأوبرا السلطانية في مسقط (الجزيرة نت)

عروض متنوعة
تحوي الأوبرا قاعات مهيأة بتقنيات عالية عبر وسائط عرض متنوعة وشاشات تفاعلية مثبتة بالمقاعد، وإلى جانب المسرح الكبير الذي يتسع لأكثر من 1100 زائر ويستضيف الفرق العالمية وكبار نجوم الطرب، توجد قاعة فارهة للندوات والمؤتمرات، ومركز للإنتاج الفني يستقطب عروض الأوبرا العالمية والعربية.

حرص السلطان قابوس على أن تكون هذه الدار متنفسا لمختلف شرائح المجتمع، وملاذا للباحثين عن نعيم الهدوء والطمأنينة، وواجهة لحضارة عُمان المعاصرة، بما يجعلها ملتقى للجميع، يتسق ذلك مع رواق "الأوبرا" بداخلها، عبر سلسلة من المطاعم العالمية المعروفة، ومحلات تضم العلامات التجارية.

ليست الموسيقى الأوبرالية وحدها هي العنصر الفاعل داخل طوابقها الثمانية، فللمسرح حضوره الطاغي، إضافة إلى الندوات والملتقيات الثقافية والفنية، كما أن مساحتها الشاسعة التي تجاوزت 80 ألف متر مربع تحولت إلى مسرح للاحتفاء بكبار الفن والطرب العربي الذين مروا عليها مثل "ماجدة الرومي، وكاظم الساهر، وصابر الرباعي، وعبد الله الرويشد، وشيرين عبد الوهاب، والإخوان رحباني، ووائل جسار، وأنغام، وهاني شاكر" وغيرهم الكثير.

تمازج الحضارات تحت سقف دار الأوبرا السلطانية (الجزيرة نت)

إنجازات النهضة
وقال مدير إدارة مكتبة دار الأوبرا ومستشار مجلس الإدارة الدكتور ناصر بن حمد الطائي للجزيرة نت، إن الدار واحدة من إنجازات النهضة العمانية الحديثة، وتجسد عمقا ثقافيا لطبيعة الأرض التي تمتلك إرثا حضاريا موغلا في القِدم، وهي بلا شك كانت نظرة متطورة في المنطقة، وتنبئك بكيمياء الإنسان العماني المنفتح على مختلف الثقافات الرامية إلى السلم والعاشقة للجمال.

وهذه المؤسسة الثقافية تسعى أن تكون حلقة وصل بين عُمان وبقية دول العالم من خلال الفن الهادف، وهي تقدم للمواطن والمقيم والزائر ما يشبع نهمه من ثراء فني وثقافي ومعرفي، بما يجعلها قبلة ثقافية فارهة يحج إليها عشاق الفن النبيل من كل مكان، الأمر الذي يجعل العالم حاضرا داخل غرفها سواءً عبر عمالقة الفن والموسيقى والمسرح الذين نستضيفهم أو من خلال الجمهور المتعطش لإرواء ذائقته الروحية، لتكون جسر التواصل الحضاري والإنساني بين الشعوب.

آلات موسيقية نفيسة ضمن مقتنيات الأوبرا (الجزيرة نت)

أداة ناعمة
ويرى المخرج السينمائي يوسف البلوشي أن الحكمة من إنشاء هذا الصرح الفني والثقافي الكبير جاء حتى يكون مساهما في تعزيز النهضة الثقافية التي تعيشها السلطنة، فهو الأداة الناعمة في تهذيب الإنسان، وجعله متوافقا مع احتياجات النفس الملهوفة والجانحة نحو هدوء الروح واطمئنانها والخروج من حيّز المادة الذي يحيط بالبشرية من كل اتجاه.

لا شيء يجعلك قادرا على الخروج من العالم المادي سوى الموسيقى وفنونها المتنوعة، فالداخل إلى قاعات الأوبرا السلطانية يترك كل مشاكله وهواجسه خارجا، ويبدأ بالتحليق في فضاءات الدهشة والبهاء.

ويضيف أن الدار تأخذ على عاتقها نشر الوعي الثقافي وتثمين الذائقة الرفيعة لدى الشعب العماني، فهي ليست فضاء لعروض الموسيقى والفن فقط، بل هي كيان متفاعل مجتمعيا، تفتح أذرعها بكل حب لأبناء الوطن ليجدوا من يحتضنهم ويدعم إبداعهم، فالعروض العمانية حاضرة ولها بصمتها في العديد من الفعاليات العالمية المشتركة داخل قاعاتها، فرسالتها أن تكون جزءا جميلا في ذاكرة العمانيين، طامحة إلى رفع وعيه الثقافي وعمقه الإنساني المرهف.

المصدر : الجزيرة